المغرب والجزائر.. صراع محموم على التسلح

المغرب والجزائر.. صراع محموم على التسلح

الرباط- لم يُؤد انسداد الأفق الدبلوماسي وتعثر المبادرات السلمية على مدى 4 عقود لحل النزاع الإقليمي في الصحراء، بين المغرب المُتمسك بسيادته على هذا الإقليم، وجارته الشرقية الجزائر الداعمة لخيار الانفصال، إلا إلى استعار سباق التسلح بين البلدين ومضاعفة انفاقهما العسكري على الجيوش الرابضة على الحدود، تحسبا لأي مُواجهة مُحتملة، وحفاظا على موازين القوى في المنطقة.

فحالة الشد والجذب التي تعيش على وقعها العلاقات المغربية الجزائرية منذ سنوات، جعلت الجزائر، بحسب آخر تقرير صدر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، على قائمة الدول الأفريقية المُستوردة للأسلحة، يليها مباشرة المغرب “غريمها التقليدي” في المنطقة.

فاستمرار النزاع الإقليمي في الصحراء، في وسط جوار عربي يشهد تحولات متسارعة منذ اندلاع الربيع العربي، ودخول منطقة الساحل والصحراء منعطفا خطيرا مع تزايد نشاط الجماعات الجهادية المقاتلة، لم يدفع صناع القرار في البلدين إلا إلى مواصلة “الإنفاق العسكري السخي” على جيوشهم.

إنفاق يرى فيه سياسيون ومثقفون مغاربة، “إهدارا للمال العام” على حساب مشاريع تنمية ملموسة يستفيد منها المواطنون في معيشهم اليومي، و”انجرارا غير محسوب” لمنافسة عسكرية مع الجزائر، بدل وضع “استراتيجية عقلانية ومقاربة سياسية ودبلوماسية مقررة بشكل ديمقراطي” لحل الخلافات العالقة معها.

هذه المُقترحات وغيرها، تضمنها نداء أطلقته أكثر من 83 شخصية سياسية وحقوقية وثقافية تنتمي لتيارات فكرية مختلفة في المغرب الشهر الجاري، يدعو إلى مساءلة صُناع القرار في البلاد حول مآلات ثروتها والمُستفيدين منها، وفي مقدمتها ميزانية الجيش المغربي التي لا تخضع لمناقشة برلمانية مستفيضة، وتكتفي أحزاب الأغلبية والمُعارضة على حد السواء بالتصويت عليها بالإجماع دون اعتراض.

كما يطالب النداء الذي أطلق عليه “حوار وطني حول أعطاب التنمية”، بوقف سباق التسلح مع الجارة الشرقية الجزائر والانصراف إلى القنوات السياسية والدبلوماسية لحل أي نزاع.

ويُناقش البرلمان الجزائري خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ميزانية استثنائية ستخصص لقواته دفاعه العسكرية السنة القادمة تقدر بحوالي 13,1 مليار دولار، هو رقم يجعل الجزائر بحسب تقارير صحفية على قائمة 15 دولة هي الأكثر إنفاقا على التسلح في العالم، ويأتي ذلك في وقت كانت الجزائر قد أعلنت أنها بصدد إعادة بناء ترسانتها الحربية في أفق سنة 2017، مستندة إلى ميزانية تدعمها عائدات النفط والغاز.

هذا السباق المحموم على اقتناء الأسلحة، وتعزيز القوات الدفاعية وتطويرها يدفع، حسب مراقبين، المغرب إلى مجاراة جارته الشرقية والسعي إلى تقليص الفوارق معها، عبر اقتطاع موارد مهمة من ميزانيته العمومية لصالح قوات الجيش، دون أن تتوفر لديه إيرادات مالية تضاهي تلك التي تملكها الجزائر، لتغطية تلك النفقات، حيث حافظ المغرب هذه السنة على ذات الميزانية التي خصصها للإنفاق العسكري السنة الماضية، والتي بلغت حوالي 3.3 مليار دولار، فيما تُضاعفها الجزائر بشكل متواصل.

وعملت الجزائر خلال السنوات العشر الأخير، حسب تقارير صحفية، على تحديث سلاحها الجوي من خلال اقتناء طائرات إفـ16 وطائرات ميغ 29، وشراء سفن حربية متطورة من فرنسا وإيطاليا وهولندا، وتجديد أسلحتها من المدرعات والدبابات، وذلك في سياق مواكبة التطورات الجارية في المنطقة، خاصة بعد الحرب الفرنسية الأخيرة على مالي واضطراب الوضع الأمني في منطقة الساحل والصحراء برمتها، ما جعل ميزانية الجيش الجزائري تتفوق وبفوارق كبيرة، على باقي الميزانيات المُخصصة لقطاعات أخرى حيوية كالتعليم والمالية وغيرها.

فيما تحتل النفقات المرصودة لوزارة الدفاع في المغرب، المرتبة الثالثة في سلم القطاعات التي تستحوذ على النسب الأهم في الميزانية العامة للدولة، مسبوقة بوزارتي الاقتصاد (7 مليار دولار)، والتعليم (5 مليار دولار)، إلا أن بعض النخب السياسية المغربية ترى في استمرار حشد الموارد الاقتصادية للبلاد، تلبية لنزوعات “سباق التسلح” مع الجزائر، إهدار لفرص التقدم وتبديد لأموال قد تجد قنوات صرف مثمرة لها في مجالات التنمية والتعليم والصحة، فيما يُصر آخرون أن الإنفاق على الجيش ضرورة من ضرورات الأمن القومي الوطني.

الاقتصادي المغربي، فؤاد المومني أحد الموقعين على هذا النداء، شدد في هذا السياق، في حديث مع الأناضول، على أن النخب السياسية في المغرب مطالبة أكثر من أي وقت مضى بإخضاع موضوع “ميزانية الجيش” للمساءلة والمناقشة.

وأضاف أنه رغم الأهمية الاستراتيجية لهذه المؤسسة في الأمن القومي الوطني، إلا أن الإمكانات الضخمة التي تخصص لها -بحسب المومني- يجب أن تصبح محل نقاش عمومي مفتوح أمام الرأي العام المغربي، داعيا إلى عقلنتها حتى لا تُؤثر سلبا على النمو الاقتصادي للبلاد.

الميزانية المهمة التي ترصد للجيش في المغرب والتي بلغت خلال السنة الجارية 3,3 مليار دولار، يرى المومني أنها نتيجة واضحة لسباق التسلح المُستعر بين المغرب والجزائر، على خلفية النزاع المستمر بين البلدين حول إقليم الصحراء، معتبرا أن حل هذا النزاع المزمن في المنطقة يجب أن يمر عبر المسالك السلمية والديبلوماسية، لا عبر اللجوء إلى التسلح الذي يهدر الإمكانيات المالية للخزينة المغربية.

فيما لا يؤثر هذا الإنفاق العسكري المُكلف، يُضيف المومني، على الجزائر لمحورية دور المؤسسة العسكرية في نظامها السياسي، إلى جانب الإرادات المالية المهمة التي يتوفر عليها الاقتصاد الجزائري المُعتمد بالأساس على تصدير الغاز والنفط.

وكانت الاحتجاجات التي خرجت في المغرب في بداية الربيع العربي وقادتها حركة 20 فبراير الشبابية، قد طالبت السلطات المغربية بالكشف عن الجهات المستفيدة من الثروات في البلاد، وطرق تدبير أموال خزينة الدولة المغربية، وإخضاع الميزانيات المخصصة لبعض القطاعات السيادية كالجيش والقصر الملكي للمراقبة البرلمانية، فيما يدعو ناشطون الحكومة المغربية إلى المبادرة بالكشف عن المتورطين في قضايا فساد في البلاد، ومحاسبتهم ومنع استغلال المناصب السياسة لجمع الثروة.

في المُقابل يرى برلمانيون وسياسيون مغاربة، أن الانفاق العسكري “المُرتفع” على الجيش المغربي، مُبرر بضرورات الأمن الإقليمي، والتهديدات المُتزايدة المُحدقة بالمغرب، خاصة مع تصاعد نشاطات الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء، وتمدد ما يُسمى بـ”تنظيم داعش” على مساحات مهمة في الشرق العربي، والخشية من عودة بعض عناصره إلى المغرب لتنفيذ هجمات تمس أمن واستقرار البلاد، يجعل -حسب هؤلاء- أي سخاء في الإنفاق على التسلح وتعزيز القوات العسكرية ضرورة ملحقة، وإن بمنطق “السباق مع الجزائر” حفاظا على هيبة المغرب الإقليمية وضبطا للتوازنات المُرتبكة أصلا في المنطقة.

يُذكر أن الشريط الحدودي المغربي الجزائري، شهد في صيف عام 2011، حادث مقتل حارس الحدود “عمر حدان” المنتمي إلى صفوف القوات المساعدة المغربية، في اشتباك مسلح مع 4 مسلحين جزائريين تسللوا إلى التراب المغربي، وفي يوليو / تموز 2011.

ووجه العاهل المغربي الملك محمد السادس، في مناسبات عدة دعوة مفتوحة للجزائر لفتح الحدود، غير أن هذه الدعوة لم تجد طريقها نحو التطبيق، مؤذنة باستمرار التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين.

وفي يوليو/ تموز 2004، قام المغرب برفع إجراءات التأشيرة عن المواطنين الجزائريين الراغبين في زيارة المغرب، واعتبرت الجزائر حينها لجوء المغرب إلى هذا الإجراء، لم يتم بناء على اتفاق مسبق بين الطرفين.فيما لم تبادر الجزائر إلى رفع إجراءات التأشيرة عن المواطنين المغاربة إلا في أبريل/ نيسان 2005.

يشار إلى أن الحدود البرية المغربية الجزائرية مغلقة منذ عام 1994، كرد فعل السلطات الجزائرية على فرض الرباط تأشيرة الدخول على رعاياها بعد اتهام الجزائر بالتورط في تفجيرات استهدفت فندقا بمراكش.

وشهدت العلاقات الجزائرية المغربية توترًا خلال الأشهر الماضية وصلت حد استدعاء السفراء، بداية بحادثة اقتحام مقر القنصلية الجزائرية في الدار البيضاء في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، ووصولا إلى قضية اللاجئين السوريين على حدود البلدين مطلع السنة الجارية، ما يدفع مراقبين إلى عدم استبعاد حدوث أي مواجهة عسكرية بين الجانبين في حال بلغ التوتر نقطة اللاعودة، تستعيد تفاصيل الصراع العسكري بين المغرب وجبهة البوليساريو منذ عقود قبل توقيعاتفاق وقف إطلاق النار سنة 1991 برعاية أممية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث