السيسي ورجال الأعمال وجها لوجه

السيسي ورجال الأعمال وجها لوجه

القاهرة – خلال خطاب تنصيبه وعد الرئيس عبد الفتاح السيسي بالعمل على تعزيز الاقتصاد، من خلال تطوير الصناعة والزراعة وجذب الاستثمارات المباشرة، كما تعهّد بضمان حقوق المواطنين الفقراء وذوي الدخل المنخفض، وقال: إن مصر تعاني من الديون الداخلية والخارجية العالية، والعجز الضخم في الميزانية، وارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض السياحة وتزايد إيرادات الحكومة، وانهيار الاحتياطيات الأجنبية، بجانب أزمة الطاقة.

وبعد انتخابه رئيساً للبلاد شرع في إنشاء صندوق تحت اسم (تحيا مصر) يشرف عليه شخصياً، وطالب القادرين والأغنياء بالتبرع لصالح الصندوق، من أجل تطوير الخدمات دون الاتكاء على الموازنة العامة للدولة، لكنه تفاجأ بتلكؤ مجتمع رجال الأعمال في دعم الصندوق بالمبالغ التي كان يتوقعها، حيث يريد السيسي نحو 100 مليار جنيه في الصندوق.

التحديات الاقتصادية التي تواجه الرئيس السيسي شاقة، رغم تلقيه عشرات المليارات من الدولارات في صورة مساعدات من دول الخليج بعد 30 يونيو، حسبما يؤكد د. صلاح جودة مدير مركز الدراسات الاقتصادية بالقاهرة، كما يواجه السيسي نقص الغاز الطبيعي والوقود بشكل كبير، وهو ما يعني انقطاع التيار الكهربائي بشكل متكرر، وفي الوقت نفسه توجد أحداث عنف وتخريب تقوم بها جماعة الإخوان المسلمين، فضلاً عن الإرهاب في سيناء، وبالتالي الرهان على دخل السياحة في هذه المرحلة صعب للغاية، كذلك فإن الاستثمار الاجنبي يعاني من الحذر والتخوف، ويشير إلى أن مجتمع رجال الأعمال بشكل خاص يتخوّف أن يتحوّل إلى كبش فداء للسلطة الجديدة، فخلال اجتماع منتصف مايو/أيار الماضي عندما كان السيسي مرشحاً للرئاسة، فاجأ السيسي رجال الأعمال بضرورة إنشاء صندوق بقيمة 100 مليار بالجنيه المصري لإعادة بناء مصر، وطالبهم بالتبرع في الصندوق، كثيرون داخل مجتمع الأعمال يرون أن صندوق “تحيا مصر” أصبح بمثابة تهديد لأعمالهم، خاصةً وأن كثيرا منهم حصل على أراضي من الدولة بثمن بخس خلال الأنظمة السابقة، ولم يقدموا استثمارات حقيقية.

من وجهة نظر د. يمنى الحماقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس: إن العلاقة بين الرئيس السيسي ومجتمع الأعمال المصري لا تزال غامضة، ولكن هناك مؤشرات توحي بوجود توترات بين الطرفين خلال هذه الفترة التي تمر بها البلاد من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، وتوضح أن التوتر سوف يزداد خلال المرحلة المقبلة بعد أن تمسك السيسي بضرورة تبرع رجال الأعمال بجزء من أموالهم إلى الدولة لدعم اقتصاد البلاد، حيث وجّه حديثه لهم أثناء افتتاح مشروع تنمية قناة السويس قائلاً: (هتدفعوا يعني هتدفعوا)، وهو ما اعتبره بعض رجال الأعمال بمثابة تهديد لهم، كما خرجت قوائم سوداء لجميع رجال الأعمال الرافضين للتبرع لصندوق “تحيا مصر”، وتشير إلى أن السيسي طلب من رجال الأعمال التبرع بـ 100 مليار جنيه مصري (13.9 مليار دولار) إلى الدولة لدعم الاقتصاد المصري، وبعد انتخابه جدد دعوته وحث رجال الأعمال على التبرع إلى ما أسماه صندوق “تحيا مصر”، لكن المؤشرات تؤكد أن الصندوق لم يتخط حاجز العشرة مليارات الأولى، وهو ما جعل الرئيس يشعر بالإحراج أمام الشعب، مما يؤكد قوة نفوذ رجال الأعمال على الدولة.

وحول تعدد صناديق التبرع للدولة منذ ثورة يناير، يرى الخبير الاقتصادي د. رشاد عبده رئيس المنتدى الاقتصادي المصري أن فكرة التبرع أمر معيب في حق الدولة، خاصةً وأن الاقتصاد بحاجة إلى طرق علمية وخبراء للخروج من الأزمة، والحكومة عليها مواجهة عجز الموازنة، من خلال مكافحة الفساد والتهرب الضريبي، ومعاقبة المستثمرين الذين تربحوا بالمليارات خلال العقود الماضية، مع أهمية منح كافة التسهيلات للمستثمرين الجادين، وخلاف ذلك فإن الدولة لن تتقدم خطوة إلى الأمام في طريق تحررها الاقتصادي طالما اعتمدت على تبرعات المواطنين أو رجال الأعمال.

وانتقد د.عمرو صالح مستشار البنك الدولي السابق، لجوء الدولة إلى سرد أسماء المانحين أو المتبرعين ونشرها في وسائل الإعلام بين حين وآخر، وهو ما أدى إلى قيام بعض النشطاء بإطلاق ما يُسمى قائمة سوداء تضم أسماء رجال الأعمال الذين امتنعوا عن التبرع لصندوق “تحيا مصر”، وهو الأمر الذي يُعتبر ابتزازاً لهؤلاء المستثمرين، ويعرض اقتصاد الدولة لمزيد من الخسائر.

واستنكر الخبير الاقتصادي لجوء الدولة إلى الدين لإجبار رجال الأعمال على التبرع، وهو ما يعني أن الدولة تهدد مجتمع الأعمال بطرق غير مباشرة من أجل التبرع لصندوق “تحيا مصر”، ويشير إلى أن مؤسسة الرئاسة عليها أن تكون أكثر حذراً في التعامل مع المستثمرين، حتى لا تصنف الدولة على أنها طاردة للاستثمار أو تضع قيوداً وشروطاً على أموال وتجارة رجال الأعمال، ويرى أن مصر تشهد حالة من الارتباك في اقتصادها، وبحاجة إلى قوانين لتشجيع الاستثمارات وليس الصدام مع المستثمرين.

ويؤكد د. إبراهيم عبدالله، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن هناك العديد من ملفات فساد رجال الأعمال يتم النظر فيها حالياً، لتقديمها إلى النائب العام رداً على تجاهل دعوات السيسي لإنقاذ الاقتصاد المصري، وهذا إجراء طبيعي حتى تحصل الدولة على حقها، إذا كانت ردود الأفعال حول تبرعات الصندوق مخيبة للآمال، فيجب على رجال الأعمال التبرع للصندوق حتى يكون هناك فرصة أمامهم للإصلاح قبل فتح قضايا الفساد المالي.

ويرى أن الأزمة الاقتصادية التي ضربت مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، أثّرت سلباً على موازنة الدولة وعلى جميع مصادر الدخل، لكن الدولة أيضاً عليها أن تدرك أن الأزمة طالت رجال الأعمال وتدهور وضعهم المالي في السوق، بسبب عدم الاستقرار السياسي والأمني، وعلى الحكومة التعامل بحذر مع رجال الأعمال من أجل تقديم الدعم اللازم لإنعاش الاقتصاد، بجانب أهمية إعادة صياغة قوانين الاستثمار، وتقديم التسهيلات للمستثمرين للتخفيف من الخسائر التي تعرضوا لها خلال السنوات الثلاث الماضية.

وفي رأي د.حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي، من الخطأ أن تعتمد الدولة على التبرعات الطوعية التي قد تأتي، لكن لو تبرع رجال الأعمال بجزء من أموالهم فإن هذا قد يكون مؤشراً إيجابياً ، بينما لو أحجم آخرون فلا يجب معاقبتهم على ذلك، ويؤكد أن تطبيق الضرائب التصاعدية على الدخل السنوي للأغنياء ورجال الأعمال، لا تعني بالضرورة وجود حرب باردة بين السيسي وبين هذه الفئات، لكن في نهاية المطاف سوف يتعامل رجال الأعمال مع الواقع، كما فعلوا مع الضرائب التي تم تطبيقها على مكاسب سوق الأسهم.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث