مصر تستعيد مكانتها في القارة السمراء

مصر تستعيد مكانتها في القارة السمراء
المصدر: القاهرة– من شوقي عبدالخالق

لم يكن أول هبوط لطائرة رئيس مصر الجديد عبدالفتاح السيسي فور انتخابه بأفريقيا أمرًا عفويًا، بقدر ما هو صفحة من كتاب سياسة مصر الخارجية.. ثم كانت ثماني جولات لوزير خارجية القاهرة بالقارة السمراء أيضًا بداية لتلك السياسة الجديدة لـ«مصر 30 يونيو».

ويرى مراقبون أن تلك السياسة استطاعت وبفضل نقاشات وحوارات لقادة ومفكرين مصريين مع نظرائهم الأفارقة، أن تُعيد القاهرة لأحضان الاتحاد الأفريقي، بعدما جمَّد مجلس السلم والأمن عضوية الأولى؛ بسبب ما أرجعه وقتها إلى عزل رئيس شرعي وإسقاط حكومة شعبية “الرئيس المعزول محمد مرسى وحكومة هشام قنديل”.

محورا التحرك أفريقيًا

واصل السيسي السياسة الخارجية لبلاده، حين رسمها منذ الثلاثين من يونيو، والتي تضع القارة السمراء على رأس أولوياتها، بحسب تصريحات متواترة لدبلوماسيين مصريين، وقامت تلك السياسة على محورين الأول راعى التواجد المصري في قلب الصراعات المستمرة بأفريقيا للتوسط أحيانًا وطرح مبادرات أحيانًا أخرى في خطوة لعودة القاهرة إلى دورها الريادي الذي اكتسبته طوال سنوات فائتة أخلَّ به الرئيس الأسبق حسني مبارك إبان محاولة اغتياله بإثيوبيا.

وركز المحور الثاني على كسب حقوق مصرية تاهت وسط غياب القاهرة عن التواجد الفعَّال في تلك القارة، ما خلَّف أزمة صدعت رأس السلطات المصرية والمتمثلة في “سد النهضة”، تلك الأزمة التي تشعبت لتجر معها دولاً أخرى على منابع النيل.

ويئكد محللون أن ما سبق، يمثل إيجازا لمرحلة مهمة في تاريخ مصر تجاوزت العام بشأن علاقتها بالقارة السمراء، وبالتفصيل فإن بداية التطلع إلى القارة الأفريقية كانت في اليوم التالي لتشكيل حكومة ائتلافية خلفًا لحكومة هشام قنديل عام 2013 كأحد استحقاقات خارطة الطريق التي أقرتها القوى السياسية في الثلاثين من يونيو من العام نفسه.

جولات وأهداف إستراتيجية

عقد وزير الخارجية المصري السابق نبيل فهمي 5 جولات أفريقية إلى جانب 3 جولات قام بها نائبه لشؤون القارة الأفريقية السفير حمدي سند لوزا، طاف خلالها الدول الأفريقية بصفة عامة ودول حوض النيل بصفة خاصة، وصفها الناطق باسم الخارجية بأنها رسالة مصرية واضحة على اهتمام القاهرة بتطوير العلاقات المصرية الأفريقية، لافتًا إلى أن بلاده جادة وحريصة على التعاون مع جميع دول حوض النيل وتحقيق مبدأ المكاسب للجميع.

التقارير الإعلامية رأت أن الهدف الأساسي لتلك الزيارات تركز على أهمية عودة مصر إلى أحضان الاتحاد الأفريقي.

وحقيقة جنت تلك الزيارات مكاسب عدة، فمن الناحية السياسية ساهمت تلك الجولات في عودة مصر إلى ممارسة مهامها بالقارة السمراء، عقب مشاركة السيسي في القمة الأفريقية الثالثة والعشرين في مالابو بغينيا الاستوائية.

وشاركت القاهرة في محادثات مشتركة مع دول أفريقية بشأن قضايا ذات اهتمام مشترك شملت أزمة جنوب السودان وأزمة سد النهضة ومواجهة بعض الحركات المسلحة بالقارة الأفريقية كجماعة “بوكو حرام” وغيرها من القضايا التي جعلت للقاهرة تواجدًا ملحوظًا على طاولة النقاشات الأفريقية، ما مهَّد لعودة أنشطتها في القارة السمراء.

تعاون اقتصادي

بحثت الجولات المصرية تعاونًا استثماريًا في المجالات كافة ، خاصة عندما شاركت القاهرة في قمة الكوميسا برؤية استراتيجية تستهدف دعم وتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية بين دول الكوميسا، لا سيما أن الموضوع الرئيسي للقمة كان “تعزيز التجارة البينية بين الدول أعضاء التجمع من خلال الصناعات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر”، وهو ما فتح مجالاً كبيرًا للاستفادة من الخبرة المصرية في هذا المجال بين دول الكوميسا.

واصطحب وزير الخارجية المصرية وقتها نبيل فهمي وفدًا من رجال الأعمال المصريين.

ويقول مححلون اقتصاديون إن المشاركة المصرية بقمة الكوميسا استغلها الوفد المصري لطرح عدة مبادرات تسهم في تفعيل نشاط التجمع وتعزيز دوره في ربط المصالح الاقتصادية والتجارية للدول الأعضاء، كمُبادرة مشروع الخط الملاحي الذي يربط بين بحيرة فيكتوريا والبحر المتوسط، ومبادرة تفعيل دور الوكالة الإقليمية للكوميسا ومقرها القاهرة، بالإضافة إلى تجديد الدعوة لاستضافة مصر قمة التكتلات الأفريقية الاقتصادية الثلاثة (الكوميسا وتجمع شرق أفريقيا وتجمع الجنوب الأفريقي)، والتي تضم في عضويتها 26 دولة أفريقية.

ثم كانت أول زيارة لرئيس وزراء مصر المهندس إبراهيم محلب عقب توليه المسؤولية إلى تشاد لبحث سبل دعم علاقات التعاون بين البلدين في مجالي الزراعة والاستثمار، ثم توجه إلى تنزانيا وبتكليف من الرئيس عدلي منصور وقتها، تركزت الجولة في مجملها على مناقشة أزمة “سد النهضة”.

مكاسب سياسية

الجولات السابقة عجّلت بزيارة لوفد أفريقي إلى القاهرة ضمت مسئولين من عدة دول برئاسة رئيس مالي الأسبق ألفا عمر كوناري، كخطوة لإنهاء أزمة القاهرة ‏مع الاتحاد الأفريقي.

ولم يغادر الوفد مطار القاهرة قبل أن يطلق تصريحات إيجابية بشأن الأزمة حين قال “إن ما حدث في 30 يونيو ثورة شعبية وليست انقلابًا ‏عسكريًّا”. وهو تحول جذري في رؤية قادة الدول الأفريقية تجاه ما حدث في مصر عام 2013.

أضف إلى ما سبق، التطور الإيجابي لملف سد النهضة، عبر تصريحات الأطراف الثلاثة “مصر والسودان وإثيوبيا” بشأن قرب التوصل إلى حلول وسط، تعتمد على تنفيذ توصيات اللجنة الدولية بشأن السد، وهو تطور حاولت مصر الوصول إليه عبر مشاورات عدة خاضها وزير الري في دول حوض النيل.

منبر القيادة

فضلاً عن مكاسب اقتصادية جنتها القاهرة نتيجة اهتمامها بالقارة الأفريقية ضمن ملفها الخارجي، ومكاسب سياسية بعودتها لعضوية الاتحاد شهر يونيو 2014، قبل مرور عام على إقرار خارطة الطريق.. ثمة مكاسب أخرى غير ظاهرة حققتها القاهرة من خلال مشاركتها في نقاشات حول أزمات القارة الأفريقية، تمثلت تلك المكاسب في اعتلاء مصر منبر القيادة- وإن كان نسبيا- في القارة السمراء.

وتواترت تلك المشاركات بين مناقشة في أفريقيا وأخرى في القاهرة، طرحت مصر خلالها عدة مبادرات وشاركت بمساعدات إنسانية للمنكوبين في الدول الأفريقية وضحايا التنظيمات المسلحة، ثم جاء آخر مشاركة عندما توجّه وفد من الخارجية المصرية أمس الأول إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لمتابعة المفاوضات الخاصة بأزمة جنوب السودان تحت رعاية تجمع “إيغاد”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث