“داعش” يستولي على قمح العراق

“داعش” يستولي على قمح العراق

بغداد- بعدما سيطر المتشددون السنة العازمون على إقامة خلافة إسلامية في الشرق الأوسط على خمسة حقول نفطية وأكبر سد في العراق باتوا الآن يسيطرون على سلاح اقتصادي قوي آخر.. امدادات القمح.

وسيطر مقاتلو جماعة الدولة الإسلامية على مناطق واسعة في خمس من أكثر محافظات العراق خصوبة حيث تقول منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) إن حوالي 40 بالمئة من قمح العراق يزرع بها.

وقال مسؤول عراقي إن المقاتلين يأخذون القمح من صوامع التخزين الحكومية ويطحنونه ويوزعون الطحين (الدقيق) في السوق المحلية. وحاولت الجماعة أيضا اعادة بيع القمح المهرب إلى الحكومة لتمويل مجهود حربي يتسم بقدر هائل من العنف والوحشية.

ويعقد مسؤولون دوليون مقارنات مثيرة للقلق مع أيام الصعوبات التي شهدها العراق اثناء حكم صدام حسين عندما تسببت العقوبات الغربية في نقص حاد في السلع الغذائية في التسعينات.

وقال فاضل الزعبي ممثل الفاو في العراق “الوقت الحالي هو الأسوأ للامن الغذائي منذ العقوبات والأوضاع تزداد سوءا.”

ورغم أن العراق لا يواجه نقصا وشيكا في امدادات الغذاء إلا أن التوقعات للمدى البعيد تنطوي على غموض شديد.

وقال حسن نصيف التميمي رئيس الاتحاد العام للجمعيات التعاونية الفلاحية في العراق -وهو اتحاد مستقل لجمعيات في أنحاء العراق- إن المتشددين يرهبون أي منتجين يحاولون مقاومتهم.

واضاف قائلا “إنهم يدمرون المحاصيل والانتاج وهذا يسبب احتكاكات مع المزارعين. يمارسون ضغوطا هائلة على المزارعين حتى يتسنى لهم أخذ الحبوب منهم” مضيفا أن مزارعين أبلغوا أيضا عن قيام مقاتلين بإتلاف آبار للمياه.

ولحق كثير من المزارعين بمئات الآلاف من العراقيين الذين فروا امام تقدم المقاتلين العرب والأجانب. ولم يحصل من بقوا حتى الآن على ثمن المحصول الأخير وهو ما يعني عدم توفر الأموال اللازمة لديهم لشراء البذور والوقود والأسمدة لزراعة المحصول التالي.

والاحصاءات عقب الهجوم السريع للجهاديين في أنحاء شمال العراق في يونيو حزيران قاتمة لكل من الحكومة في بغداد وللسكان الذين يحتاجون إمدادات غذائية يمكن الاعتماد عليها.

وتقول وزارة التجارة العراقية إن 1.1 مليون طن من القمح الذي اشترته من المزارعين في موسم الحصاد الحالي مخزنة في صوامع في المحافظات الخمس. ويمثل هذا حوالي 20 بالمئة من الاستهلاك العراقي السنوي الذي تقدره وزارة الزراعة الأمريكية بحوالي 6.5 مليون طن يستورد العراق نحو نصفه.

وفي خضم الفوضى في شمال العراق لا يزال من غير الواضح بدقة حجم القمح الذي سقط في أيدي المقاتلين حيث لا تزال الحكومة تسيطر على أجزاء من تلك المحافظات.

لكن مصدرا في وزارة الزراعة أكد حجم المشكلة وقال مشترطا عدم الكشف عن اسمه إن حوالي 30 بالمئة من إجمالي الانتاج الزراعي العراقي بما في ذلك محصول القمح بات مهددا.

وتتمتع جماعة الدولة الإسلامية بمعاملات تجارية واسعة مع قيامها ببيع النفط الخام والبنزين في العراق وسوريا حيث تقاتل قوات الرئيس بشار الأسد بهدف إقامة خلافة عبر الحدود.

وحتى الآن استخدمت الجماعة موارد الطاقة والغذاء الخاضعة لسيطرتها لتدبير التمويل وليس كأداة للحصار حيث تبيع تلك الموارد بدلا من حجبها.

وقال مسؤول كبير بالحكومة العراقية إن المتشددين استولوا في الأسابيع الماضية على قمح من صوامع حكومية في محافظتي نينوى والأنبار المتاخمتين لسوريا.

ويشمل ذلك ما بين 40 ألف الي 50 ألف طن اخذت من تلعفر وبلدة أخرى في نينوى هي سنجار حيث فر مئات الآلاف من الأقلية اليزيدية إلى الجبال المجاورة أمام هجوم المسلحين.

وقال المدير العام لمجلس الحبوب العراقي حسن إبراهيم إن المقاتلين حاولوا بيع قمح استولوا عليه من نينوى إلى الحكومة عبر وسطاء في محافظات أخرى.

وأضاف قائلا “لهذا السبب أوقفت شراء القمح من المزارعين يوم الثلاثاء الماضي.” والمجلس تابع لوزارة التجارة ومسؤول عن مشتريات العراق الدولية والمحلية من القمح.

وأسعار الخبز مستقرة في بغداد بدعم من الواردات والمحاصيل في مناطق أخرى تحت سيطرة الحكومة. وف بغداد وتسع محافظات جنوبية اخرى اشترت وزارة التجارة حوالي 1.4 مليون طن هذا الموسم من المزارعين.

ولم يتضح ما إذا كانت حاجة الحكومة للواردات ستزداد كثيرا نظرا لأنها لن تحاول على الأرجح توجيه إمدادات الي مناطق لم تعد تحت سيطرتها.

وبدأ موسم حصاد القمح في العراق في مايو ايار قبل شهر من بدء هجوم الإسلاميين وحلفائهم الذين سيطروا خلال أيام على مدينتي الموصل وتكريت بعد انهيار مقاومة آلاف الجنود الحكوميين الذين دربتهم الولايات المتحدة.

ويبدأ الحصاد في الجنوب ثم يتقدم شمالا وهو ما يعني أن المزارعين بدأوا في توريد القمح للصوامع الحكومية في المناطق الريفية حول الموصل في مطلع يونيو حزيران قبل أقل من اسبوعين من اجتياح المتشددين للمدينة.

وقال الزعبي إن الحكومة تسدد في العادة مستحقات المزارعين متأخرة شهرين. ولذلك يعيش ما يقدر بنحو 400 ألف مزارع تحت سيطرة المسلحين وبلا أمل في الحصول على ثمن ما وردوه من قمح قبل الهجوم.

وأضاف قائلا “لم يحصل أي مزارع على أمواله” وهو ما يعني أنهم لن يتمكنوا من بدء الزراعة في الموسم الجديد الذي يبدأ الشهر القادم على اقرب تقدير في بعض المناطق.

وقال “هذا مصدر دخلهم الوحيد.”

واضاف أن الفاو تسعى بشكل عاجل لتوصيل 3000 طن من بذور القمح للمزارعين لزراعتها رغم ان تلك الجهود تواجه مشكلات كبيرة بسبب الوضع الأمني.

وتوصيل البذور حيوي لضمان ألا تضطر منظمات أخرى تابعة للأمم المتحدة مثل برنامج الأغذية العالمي -التي تساعد بالفعل مئات الآلاف- لتحمل عبء توفير الغذاء لمزيد من العراقيين.

وقال جون شنيتكر الخبير السابق بوزارة الزراعة الأمريكية والذي عمل مستشارا لوزارة التجارة لثلاث سنوات قبل أن تسحب وزارة الزراعة الأمريكية موظفيها من بغداد في 2012 إن عدة عوامل ستختبر قدرة المزارعين في شمال العراق على زراعة محصول القمح الذي سيتم حصاده في الموسم القادم.

من بين تلك العوامل التهديدات التي تواجهها مياه الري بسبب سيطرة المتشددين على سد الموصل وعجز الحكومة عن توصيل الأسمدة والوقود للمزارعين في مناطق تحت سيطرة جماعة الدولة الإسلامية علاوة على فرار كثير من المزارعين من بيوتهم.

وتوقع شنيتكر “تقلص المساحة المزروعة وانخفاض الانتاجية” في موسم 2014-2015.

وفي الوقت نفسه فإن نظام التوزيع الذي تستخدمه الحكومة لتوريد الدقيق المدعوم والسلع الأخرى مثل زيت الطعام والسكر والأرز إنهار في المناطق التي يسيطر عليها المتشددون.

ورغم أن هذا النظام يعاني من الفساد والاهدار إلا ان العراقيين الفقراء يعتمدون عليه. وقال شنيتكر إن إنهياره يمثل “صعوبة هائلة” لسكان الريف في شمال العراق وسيدفع في نهاية المطاف المزيد من الناس إلى صفوف اللاجئين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث