خطر المتشددين يوحد الشعب اللبناني

خطر المتشددين يوحد الشعب اللبناني

بيروت –في مسعاه للتصدي لتوغل الإسلاميين المتسللين من سوريا تكبد الجيش اللبناني الذي يفتقر للعتاد ثمنا باهظا إذ قتل 36 من جنوده أو سقطوا في الأسر لكنه من منظور مهم حقق مكسبا كبيرا بنيل تأييد الفصائل اللبنانية المنقسمة.

ورغم خلافهم بشأن الكثير من القضايا -بما فيها من هم أعداؤهم- فقد أظهر زعماء مختلف الطوائف اللبنانية شكلا نادرا من أشكال الوحدة بالاتفاق على أن تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد الذي سيطر على أراض في سوريا والعراق هو عدوهم المشترك.

ويبدو أن القلق بين اللبنانيين يسري أيضا بين حلفاء أجانب متنافسين تجمعهم الرغبة في منع امتداد خلافة سنية متشددة من نهر دجلة إلى البحر المتوسط.

وفي ظل دخول الجيش اللبناني طرفا في المعركة الإقليمية ضد المتشددين السنة جاءت تصريحات التأييد من مجموعة غير متوقعة من الدول مثل سوريا والسعودية والولايات المتحدة وإيران.

ومع تقسيم سوريا والعراق بسبب التقدم الخاطف لمقاتلي الدولة الإسلامية فان حماية لبنان من تكرار سيناريو عدم الاستقرار هو باعث للقلق لدى الجميع.

وبالنسبة للسعودية تمثل الدعم في تعهدات بتقديم مليار دولار من المساعدات الاضافية للقوات الأمنية اللبنانية.

ووضع هذا الرياض – التي تدعم الانتفاضة ضد الرئيس السوري بشار الأسد – في الجانب ذاته مع سوريا التي تقصف طائراتها الحربية مواقع المتشددين في المنطقة الحدودية فيما كان الجيش اللبناني يهاجم على الجانب الآخر.

وأجج توغل المتشددين في بلدة عرسال الحدودية يوم الثاني من أغسطس آب المخاوف من أنهم قد يمدون ساحة قتالهم إلى لبنان الذي يعاني بالفعل من عدم الاستقرار بسبب الحرب الأهلية في سوريا التي تفاقم التوتر الطائفي بين السنة والشيعة.

ووفقا لمسؤولي أمن لبنانيين فقد انسحب المتشددون من البلدة يوم الأربعاء بعد أن سقط منهم عشرات القتلى. وحمل المتشددون معهم 19 أسيرا من الجنود اللبنانيين.

*غطاء سياسي

واحتشد أهم اللاعبين في لبنان خلف الجيش. ومن بين هؤلاء رئيس وزراء لبنان الأسبق سعد الحريري أكثر الشخصيات السنية نفوذا وجماعة حزب الله الشيعية المسلحة المدعومة من إيران والتي تقاتل إلى جانب قوات الأسد في سوريا.

وعاد الحريري الذي خاض خلافا مريرا مع حزب الله لأعوام إلى لبنان يوم الجمعة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات قائلا انه يعتزم بحث كيفية استخدام التمويل السعودي.

وقال نبيل بو منصف وهو كاتب في صحيفة النهار اليومية إنه لا تزال هناك انقسامات في لبنان لكن لا يوجد خيار أمام أي طرف سوى دعم الجيش.

وأضاف “نعرف ما معنى إذا ما انكسر الجيش ..ماذا سيحصل في البلد كله سنلتحق بمشهد يبدأ في الموصل ويصل إلى عرسال.”

ويلعب الجيش دورا مزدوجا فهو يواجه الخطر الجديد المتمثل في المتشددين بينما يساعد في حشد الصفوف لتحقيق الوحدة الوطنية في وقت يموج بالاضطرابات الإقليمية والتوتر الطائفي.

ورغم أن الجيش لا يزال عاجزا بسبب الأسلحة التي عفا عليها الزمن إذ تعود أقدم دباباته إلى الخمسينيات من القرن الماضي وبسبب نقص الذخيرة فانه نال على الأقل التأييد السياسي الذي يحتاجه للتحرك.

ونقل مصدر حضر اجتماعا للحكومة خلال الأزمة عن العماد جان قهوجي قائد الجيش وهو من الطائفة المارونية المسيحية قوله للوزراء خلال الاجتماع “اتفقوا فيما بينكم ماذا أنتم فاعلون وأنا جاهز.. نحن نريد فقط الغطاء السياسي.”

وبسبب التوترات الطائفية التي تفاقمت بسبب دور حزب الله في الصراع عبر الحدود في سوريا قالت الجماعة الشيعية انها نأت بنفسها عن المعركة في عرسال وهي بلدة سنية سبق وان كانت بالفعل بؤرة للتوتر الذي تفجر بسبب الحرب في سوريا.

ورغم أن حزب الله لديه آلاف المقاتلين الأشداء ورغم أن ترسانته من الأسلحة أكثر تطورا من ترسانة الجيش بما في ذلك الأنظمة الصاروخية فقد قال إن هذه معركة الجيش.

*مخطط إيراني-سوري

ويدرك اللبنانيون جيدا خطر انتشار الطائفية في صفوف الجيش. فقد انزلق لبنان في الحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990 بسبب انقسام الجيش على أسس طائفية.

وهددت معركة عرسال بدفع الجيش المؤلف من جميع الطوائف الدينية في لبنان نحو هاوية الطائفية. وفي الوقت الذي يحارب فيه حزب الله المتشددين ذاتهم على الجانب الآخر من الحدود قال عدد من المنتقدين السنة إن الجيش فيما يبدو ينحاز إلى الجماعة الشيعية.

ومع تصاعد حدة القتال أجج النائب السني محمد كبارة وهو عضو في كتلة المستقبل التي يقودها الحريري الخطاب الطائفي بوصفه الأحداث في عرسال بأنها “مخطط إيراني-سوري” لتقويض السنة.

وحذر كبارة من أي قرار يحول الجيش الوطني إلى شيء يشبه جيش رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي الذي يقول منتقدون انه أصبح سلاحا طائفيا في يد رئيس الوزراء الشيعي.

وامتدت الاضطرابات الطائفية من عرسال إلى مناطق سنية أخرى في لبنان نتيجة المعارك. وتعرض جنود لإطلاق النار في مدينة طرابلس الشمالية. وتسبب انفجار قنبلة كانت تستهدف دورية للجيش في المدينة نفسها يوم الأربعاء في مقتل شخص.

لكن أصوات مؤثرة مثل رجل الدين داعي الإسلام الشهال ساعدت على احتواء الخلاف. وأصدر الشهال فتوى تحرم القتال ضد الجيش.

وتراجع القتال في العيد الوطني للجيش. ووضعت ملصقات تأييد للجيش في الشوارع.

ودشنت إحدى شركات خدمات الهواتف المحمولة في لبنان حملة تسمح للمشتركين بالتبرع للجيش من هواتفهم المحمولة. وفي ضاحية مسيحية ببيروت دعت كنيسة المصلين إلى حضور وقفة صامتة خلال الليل من أجل الجيش.

*الدولة في مواجهة الإرهاب

يضم الجيش اللبناني 65 ألف جندي بما في ذلك أفراد الاحتياط. وهو أكثر جهاز أمني موثوق به في لبنان إذ يتمتع بدعم عدد أكبر من اللبنانيين مقارنة بالأجهزة الأمنية التي تغلب عليها الانقسامات الطائفية.

ويقول خبراء إن السنة يشكلون أكبر عنصر طائفي في الجيش ويأتي كثير منهم من مناطق فقيرة في شمال شرق لبنان. وكان ثمانية على الاقل من 17 جنديا قتلوا في عرسال من السنة.

وقال سياسي شيعي إن المخاوف من احتمال انتشار التوتر الطائفي في الجيش تراجعت أثناء بداية العملية في عرسال عندما بدا واضحا أن أهم السياسيين السنة وعلى رأسهم الحريري يؤيدون الجيش.

وقال السياسي الذي طلب عدم نشر اسمه لانه كان يناقش مسألة أمن قومي “أصبحت القصة بين الدولة الممثلة بالجيش وبين الارهابيين وهذه خففت إلى حد كبير من الاحتقان.”.”

وفي إطار تعاملها مع الأزمة في عرسال طلبت الحكومة من فرنسا تسريع وتيرة تسليم أسلحة اشتراها لبنان بثلاثة مليارات دولارات كانت السعودية قد تعهدت بتقديمها كمساعدات.

وانتقد الحريري حزب الله أثناء اعلانه عن تعهد السعودية بتقديم مليار دولار وشبه دور الجماعة الشيعية في حرب سوريا بتوغل المتشددين في عرسال لكنه أضاف أن هناك توافقا لبنانيا على دعم الجيش والقوات الأمنية الداخلية وجميع المؤسسات اللبنانية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث