العراق.. غموض داخلي وارتباك دولي

أمريكا وتركيا تتدخلان لحماية سفارتيْهما والأردن يستنفر على الحدود

العراق.. غموض داخلي وارتباك دولي
المصدر: بغداد - إرم

ما يزال الغموض يلف المشهد الداخلي العراقي، مع تصاعد وتيرة الاشتباكات بين قوات الجيش وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، الذي يواصل تمدده.

ومع عدم وضوح رؤية البعد الأمني في البلاد، تتواصل الأزمة السياسية التي تعصف في العراق، ويحذر مراقبون من أنه يتجه نحو التقسيم.

هذا الغموض، تقابله حالة ارتباك تعبث بالمجتمع الدولي، تحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية ودول الجوار العراقي.

وفي الوقت الذي تتلمس هذه الدول حلاً للأزمة العراقية، عبر قراءة خطورة التدخل العسكري المباشر، أو الدعم اللوجستي، تبقى هناك وجهات تنظر مختلفة بين الداعمين لحكومة نوري المالكي، وأولائك الذين يحملونه مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد.

أوجه هذا التدخل كان محدوداً، واقتصر على مساع أمريكية تركية لتعزيز قواتهما الأمنية في محيط سفارتيهما، ليس أكثر.

وفي خضم ذلك، ما يزال الأردن يعاني الأمرين من اقتراب “داعش” من حدوده الشرقية، وسط تخوف من انتقال هذا التنظيم إلى داخل المملكة.

هذا التخوف ازداد بعد تصريحات داعش بأن الأردن جزء من الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.

ومع تقدم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام في بغداد وسيطرته على أحياء في تلعفر، بدأت المعركة تنتقل إلى بعقوبة، في وقت كشف قادة عسكريون متقاعدون عن نشر طائرات أمريكية بدون طيار لإجراء طلعات مراقبة واستكشاف وتنفيذ ضربات جوية.

وبحسب مراقبين وصحف أمريكية، أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” عن قدرات تؤهلها لإجراء ضربات عسكرية جوية ربما تسهم في منع المسلحين من التقدم نحو بغداد، “إلا أن القيام بمهمات أخرى قد تكون أكثر تعقيداً وتنذر بخطر إعادة الولايات المتحدة لخضم حرب أهلية في العراق”، ما يشكل خطوة الكونغرس الأولى.

وأوضحت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية أن استهداف عناصر المقاتلين من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” قد لا يكون صعباً في حال واصلوا زحفهم وتقدمهم نحو بغداد عبر الطرق السريعة والأخرى المرئية، غير إن تنفيذ ضربات جوية سيصبح أكثر تعقيداً إذا بقي المسلحون داخل المدن التي سيطروا عليها في الأسابيع الأخيرة ، حيث يزيد ذلك من احتمال وقوع العديد من الخسائر بين صفوف المدنيين.

وكانت وزارة الدفاع الامريكية أعلنت عن وصول سفينة النقل البرمائي “يو اس اس ميسا فيردي”، إلى منطقة الخليج وعلى متنها 550 عنصراً من المارينز وطائرات مروحية، لتنضم إلى حاملة الطائرات “يو اس اس جورج بوش” ومدمرة وطراد صواريخ موجهة.

وتحمل هذه السفن الحربية عدداً كبيراً من الطائرات الحربية وطائرات البحث والإنقاذ، إلى جانب صواريخ كروز من طراز “توماهوك” ومعدات حربية أخرى، توفر للرئيس باراك أوباما مجموعة من الخيارات التكتيكية في حال قرر اتخاذ اجراء عسكري في العراق.

المالكي يعزل أربعة من كبار الضباط

وقالت الحكومة العراقية إن رئيس الوزراء نوري المالكي أقال أربعة من كبار ضباط الأمن الثلاثاء بسبب تخليهم عن “واجبهم المهني والوطني” حين اجتاح متشددون سنة قبل اسبوع مدينة الموصل الشمالية الغربية عاصمة محافظة نينوى.

وأفاد بيان حكومي بثه التلفزيون الرسمي أن الضباط الكبار ومنهم الفريق مهدي الغراوي قائد عمليات محافظة نينوى التي كسب المتشددون أرضا فيها أقيلوا بسبب عدم ادائهم لواجبهم “المهني والوطني”.

وأضاف أن أحد القادة هدايت عبد الرحيم فر من ساحة المعركة وسيحال إلى محكمة عسكرية لمحاكمته غيابيا.

واشنطن تجدد دعوتها العراقيين للتوحد

وفي أحدث موقف لواشنطن، قال نائب الرئيس الأمريكي جو بايدن اليوم الثلاثاء إن الولايات المتحدة ستقدم مساعدة عاجلة تشتد الحاجة لها لقوات الأمن العراقية ولكن ينبغي أن يتوحد العراقيون لمحاربة أعمال العنف المسلحة “الشريرة” التي يشنها متشددون وتهدد بتفكيك البلاد.

وأضاف بايدن خلال زيارة للبرازيل “من الواضح أن هناك حاجة لمساعدة عاجلة… الخلاصة هنا أن العراقيين عليهم أن يوحدوا صفوفهم لهزيمة هذا العدو.”

وقال إن ذلك يستلزم تنحية الخلافات الطائفية وبناء قوة أمن تشمل جميع الأطياف وضمان أن تكون أصوات جميع التجمعات السكانية في العراق مسموعة.

وأوضحت واشنطن أنها تريد أن يضم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في صفوفه ساسة سنيين كشرط للدعم الأمريكي لمحاربة التقدم المباغت لقوات تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

ولكن يبدو أن رئيس الوزراء العراقي الذي فاز في الانتخابات قبل شهرين يسير في الاتجاه المعاكس معتمدا بصورة أكبر من أي وقت مضى على الأغلبية الشيعية ومتعهدا بالتخلص من الساسة المعارضين وضباط الجيش الذين وصفهم بأنهم خونة.

وتابع بايدن إنه اجرى مشاورات عن كثب مع قطاع واسع من القادة العراقيين خلال الأسبوع الماضي بهدف الوصول إلى “مسار سياسي يشمل الجميع ويمضي للأمام بينما نقدم المساعدة لقوات الأمن العراقية.”

أمريكا وتركيا تؤمنان سفارتيْهما

وتتعرض السفارتان الأمريكية والتركية للخطر، حيث اعتزمت كلٌّ من الولايات المتحدة وتركيا إرسال قوات عسكرية لتأمين سفارتيْهما وقنصلياتهما في العاصمة العراقية والمدن الأخرى، على خلفية تردي الأوضاع الأمنية وتعرض السفارة الأمريكية للخطر، واختطاف مواطنين أتراك في الموصل.

وأبلغ الرئيس الأمريكي باراك أوباما الكونغرس بإرسال 275 من أفراد الجيش الأمريكي إلى العراق لحماية ما سماه بالمصالح الأمريكية.

وأكد أوباما أن القوات مسلحة جيداً استعداداً للقتال إذا تطلب الأمر، في سبيل حماية مقر السفارة والمواطنيين الأمريكيين، في خطوة تتناقض مع المواقف الأمريكية السابقة، دون تحديد سياسة واضحة لها إلى الآن.

وكانت الولايات المتحدة قالت إنها قد تشن ضربات جوية لوقف التقدم السريع الذي حققه المتشددون المسلحون في شمال العراق.

في حين تعتزام الحكومة التركية إرسال قوات خاصة إلى العراق لحماية سفارتها وقنصلياتها في الموصل وأربيل والبصرة.

وكان مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” أعلنوا في 11 حزيران / يونيو سيطرتهم على القنصلية التركية في الموصل، بعد بسط نفوذهم على المدينة ونقل 49 موظفاً، ومن بينهم القنصل العام أوز تورك يلماز، إلى أحد الأماكن في مركز المدينة.

كما اختطف التنظيم ٣١ عاملا تركياً في محطة كهربائية بناحية القيارة التابعة للموصل.

داعش يسيطر على أحياء في تلعفر

وأفادت مصادر في الشرطة العراقية بأن “داعش” أسقطت طائرة مروحية أثناء اشتباكات اندلعت بين الطرفين غرب بغداد، فيما تدور اشتباكات عنيفة في قضاء تلعفر شمال بغداد وسط نزوح آلاف العائلات.

من جهة أخرى، أفادت مصادر في محافظة نينوى بأن الثوار تمكنوا من السيطرة على بعض أحياء تلعفر باستثناء الأحياء الشمالية، التي لا تزال تشهد اشتباكات.

أما الداخلية العراقية فقالت إن قوات المالكي صدت هجوماً على تلعفر وكبدت الثوار خسائر فادحة، كما نفت الداخلية السيطرة على أي جزء من أجزاء القضاء.

وفي محافظة الأنبار غرب العراق، قال ضابط في الجيش إن المسلحين الذين باتوا يسيطرون أيضاً على مناطق واسعة من محافظة صلاح الدين هاجموا نواحي الرمانة والكرابلة والعبيدي الواقعة على الحدود العراقية السورية.

بعقوبة في مرمى النار

وأعلنت قوات المالكي عن تصديها لهجوم شنه مسلحون في مدينة بعقوبة الواقعة على بعد 60 كيلومتراً شمال شرقي بغداد.

وكشف قائد عمليات دجلة الفريق الركن عبد الأمير محمد رضا الزيدي أن “مجموعة من المسلحين نفذوا هجوماً بالأسلحة الرشاشة في بعقوبة، والقوات الأمنية صدت الهجوم”.

وبدوره أكد ضابط برتبة مقدم في الجيش أن المسلحين “تمكنوا من السيطرة على أحياء الكاطون والمفرق والمعلمين في غرب ووسط بعقوبة لعدة ساعات، قبل أن تتمكن القوات العراقية من استعادة السيطرة على هذه الأحياء”.

ويعبتر هذا أول هجوم تتعرض له مدينة بعقوبة مركز محافظة ديالى، والتي لا تبعد سوى 60 كلم عن شمال شرق بغداد منذ بدء الهجوم الكاسح، الذي يشنه مسلحون في أنحاء متفرقة من العراق قبل أسبوع.

وحجبت السلطات العراقية قنوات الاتصال الخاصة على الإنترنت لمنع المسلحين من استخدامها.

وتم حظر الشبكات الخاصة الافتراضية وصدرت تعليمات إلى شركات خدمة الهاتف المحمول بوقف نقل البيانات عبر الهواتف النقالة وبينها خدمة الرسائل النصية.

كما جرى حجب بعض شبكات التواصل الاجتماعي منها “فيسبوك “، و”تويتر” و”واتس آب”، و”سكايب”.

ودفع هذا الإجراء الولايات المتحدة إلى حث الحكومة العراقية على رفع الحجب الذي فرضته على هذه المواقع.

وقالت المتحدثة باسم الوزارة، جنيفر بساكي في مؤتمر صحفي بواشنطن، الاثنين، “تتفهم الولايات المتحدة الأمريكية القلق العراقي من انتشار رسائل تتعلق بالنشاطات الإرهابية على وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، إلا أننا نحث الحكومة بشدة على السماح للمواطنين بالدخول إلى هذه المواقع”.

كما حجبت وزارة الاتصالات العراقية، شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت وموقع تشارك مقاطع الفيديوهات “يوتيوب” في بغداد، بحسب مصدر بإحدى الشركات المزودة للإنترنت.

وخلال الأسبوع الماضي، سقطت عدة مدن بشمال العراق، في مقدمتها الموصل (مركز محافظة نينوي) وتكريت (مركز محافظة صلاح الدين)، في أيدى مجموعات مسلحة، يتصدرها تنظيم “داعش”، بعد انسحاب قوات الجيش، في تحركات اعتبرتها قيادات عشائرية سنية “ثورة شعبية ضد الحكومة الطائفية”، وروجت السلطات إلى أنها “هجمات من جماعات إرهابية”.

الأردن يستنفر على الحدود

وتجانس الموقف الأردني الذي عبّر عنه وزيران في الحكومة الأردنية حيال تطورات الموقف في العراق مع مواقف الرياض و الدوحة وواشنطن، غير إن أدوات التعبير كانت أقرب إلى الموقف الأميركي، وتمايزت عن الموقفين السعودي والقطري من حيث الشكل دون الجوهر.

ولم تصدر عمّان بياناً بالخصوص، أو تصريحات رسمية، رغم مضي أكثر من أسبوع على سيطرة الثوار المسلحين على عدد من المحافظات العراقية، بل اكتفت فقط بالاستجابة لطلب كتلتين برلمانيتين (الوسط الإسلامي و وطن)، بعقد جلسة برلمانية مع الحكومة، لم تكن مجرد مصادفة أن يغيب عنها رئيسا الحكومة (عبد الله النسور)، ومجلس النواب (عاطف الطراونة)، وكذلك غالبية النواب، وحضره وزير الخارجية ناصر جودة، ووزير الداخلية حسين المجالي، وقرابة الثلاثين نائباً من أصل مائة وخمسين نائباً، وعقد اللقاء برئاسة النائب الأول لرئيس مجلس النواب أحمد الصفدي.

وأجمع الوزيران أن “ما يجري في العراق حالياً ضبابي ولا يمكن الحكم عليه بشكل عام”، مؤكدين عدم انفصال هذه الأحداث عما يجري في سوريا.

وفي ضوء ذلك، قدمت نصائح رسمية للنواب بعدم تصعيد تصريحاتهم حيال ما يجري في العراق، ومضاعفة الإجراءات الأمنية الأردنية ليس فقط على الحدود، وإنما كذلك على العراقيين المقيمين في الأردن، وعدم صدور أية تصريحات رسمية بشأن ما يجري في العراق، اتقاءً لانتقال تفاعلات الحدث العراقي إلى الأردن، وخشية من إغضاب هذا الحليف أو ذاك، إلا أن ثمة استنفار على الحدود قائم.

وأكد وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن الأحداث في سوريا وتطوراتها وتداعياتها “ليست بمعزل عما يجري من تطورات في العراق”، لافتاً إلى أن الأردن يتابع ما يجري في العراق بشكل حثيث، ويتخوف كثيراً على أمن واستقرار هذا البلد الشقيق، مشيراً إلى أن الأردن حذر كثيراً من خطر التطرف والإرهاب وانتشاره في المنطقة.

وعبر جودة عن قلقه الشديد من “المناظر التي بثت مؤخراً حول ما جرى في مناطق احتلتها داعش قائلا: شاهدنا فيها عنفاً عشوائياً وإعدامات بشعة جداً وتطرفاً طالما حذر منه جلالة الملك عبد الله الثاني منذ أكثر من سنتين”.

وأضاف: “من باب النصح للعراق يجب أن تكون هناك عملية سياسية شاملة لكافة مكونات المجتمع العراقي موازية للتوجه الأمني، الأمر الذي يتطلب الكثير من الجهد”.

وكان “داعش” أعلن أن الأردن سيصبح جزءاً من الدولة الإسلامية الذي يريد إقامتها، معلناً إنشاء فرع في المملكة لتجنيد مقاتلين وإرسال أسلحة إلى العاملين في البلدان المجاورة.

وقالت التنظيم لوكالة الأنباء الألمانية إنه سيستخدم الأردن، جار العراق إلى الغرب، “كمركز للخدمات اللوجستية”، مؤكدا أنه لا يعتزم شن هجمات على المملكة نفسها في الوقت الراهن.

وقال أبو محمد البكر، وهو عضو في فرع داعش المؤلف من 200 عنصر “إن هدف الدولة الإسلامية هو إقامة الخلافة الإسلامية، سواء كان ذلك من خلال وسائل عسكرية أو غير عسكرية”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث