ليبيا.. صداع مزمن تتعايش معه مصر

القاهرة تراقب المستجدات بحذر وتنفي التدخل عسكريا لدعم حفتر

ليبيا.. صداع مزمن تتعايش معه مصر
المصدر: القاهرة ـ (خاص) من شوقي عبدالخالق

لم تكن الحدود الغربية لمصر المتاخمة للدولة المتصارعة سياسيًا إلى حد التشابك المسلح “ليبيا”، وحدها مصدر القلق بالنسبة للقاهرة، حين تطلب الأمر من مصر اتخاذ مواقف خارجية تجاه تحركات وإجراءات في الداخل الليبي قُبيل، ربما، إعادة تشكيل المعلب السياسي وسط الأحداث المتسارعة هناك.

الحكومة المصرية أكدت أكثر من مرة أنها لن تتدخل في الشأن الداخلى للدولة الشقيقة ليبيا، لكن الأمر قد يتطور من أجل الحفاظ على الجالية المصرية الموجودة هناك، لاسيما وأن القاهرة تمتلك أعلى نسب أجانب على أرض ليبيا، ما يتعدى حسب الإحصاءات الرسمية المليون مصري، وإن أشارت إحصاءات غير رسمية إلى ضعف هذا الرقم؛ نتيجة الهجرة غير الشرعية والتسلل عبر الحدود وهو ما يصعب على الدولة رصدهم أو تسجيلهم.

بداية الأزمة

بداية قلق القاهرة وأزمتها مع الشقيقة ليبيا – ليس على المستوى الدبلوماسي – جاء عقب تكرار عمليات “خطف العمالة” و”الدبلوماسيين المصريين” وإن كانت الأولى لطلب فدية، فإن الثانية رسخت الصراع لكونه يتعلق بأمور سياسية حين طلب الخاطفون الإفراج عن رئيس “غرفة ثوار ليبيا” شعبان هدية المعروف باسم “أبو عبيدة الليبي”، والذي اعتقلته القاهرة لأسباب أرجعتها لمحاولته التدخل في الشؤون المصرية من خلال لقاءات يعقدها مع أحزاب وشخصيات سياسية في محافظة الإسكندرية.

وعقب تسوية أزمة خطف الدبلوماسيين مقابل الإفراج عن “أبو عبيدة” يناير 2014، بدأت الأحداث تتصاعد، أرجعها المراقبون، آنذاك، إلى خطأ الرضوخ للخاطفين. وتكررت عمليات خطف المصريين حتى وصلت إلى حد الخطف اليومي سواء عبر الطريق البري الواقع بين البلدين بأجدبيا أو خطف عمالة على الأراضي الليبية تعلق بعضها بأمور سياسية وكان جزء منها لطلب فدية.

مذبحة طائفية

وكادت الأمور تأخذ منحىً طائفيًا، لولا تدخل العقلاء، حين قتلت أيادي الغدر سبعة مسيحيين مصريين مقيميين في ليبيا وألقت بهم على قارعة الطريق بعد التمثيل بجثثهم، ما أثار الرأي العام المصري ضد الحكومة بشأن ما وصفوه بـ”كرامة المصري المهانة بالخارج”، لكن الخطاب الإعلامي والدبلوماسي الحكيم، آنذاك، أخمد فتنة نارها كانت مشتعلة.

قرارات عاجلة

شعرت الإدارة المصرية مع تطور الوضع بأن خطر الدولة الشقيقية انتقل من مربع التهريب عبر الحدود أو الهجرة غير الشرعية إلى مربع “مس كرامة مصر”، فأسرعت باتخاذ قرارات عاجلة ألغت بموجبها تأشيرات السفر إلى ليبيا لمدة لن تقل عن 6 أشهر وتجدد حال تطلب الأمر ذلك، وخاطبت كافة المصريين بعدم السفر إلى ليبيا إلا في حدود الضرورة القصوى، ومناشدة المصريين المقيمين في ليبيا ضرورة توخي أقصى درجات الحذر وشكلت على الفور غرفة عمليات لمتابعة أوضاع المصريين في ليبيا والتواصل على مدار الساعة.

تطور مفاجئ

تصويت المؤتمر الوطني العام “البرلمان” على اختيار أحمد معيتيق رئيسًا جديدًا للحكومة، جاء بمثابة “القشة التي قصمت ظهر البعير”، حيث أحدث انقسامًا داخليًا بين القوى المتصارعة سياسيًا، فمنهم من اعترف بمعيتيق رئيسًا للحكومة والبعض الآخر اتهم أعضاء البرلمان بتزوير إرادة الأمة “خاصة التيار الإسلامي” الذي قيل إن معيتيق أحد المقربين منه.

ازدادت الأحداث الليبية سخونة، وسط ترقب حذر من مصر لما ستؤول إليه الأوضاع هناك، وعندما أخذ الصراع منحنى مسلحًا شعرت القاهرة بالقلق تجاه الجالية المصرية الموجودة هناك، وتطلب الأمر خطابًا وموقفًا تجاه الأمر.

الحكمة هي الحل

الناطق باسم وزارة الخارجية المصرية بدر عبد العاطي أبلغ “إرم نيوز” أن بلاده تؤْثر الحكمة في التعامل مع الملف الليبي، لافتًا إلى أن مصر نقلت رسالة واضحة بضرورة إنهاء الصراع والانقسام الداخلي عن طريق حوار وطني بين كافة الليبيين، فالأمر لا يتعلق بالدولة الليبية وحدها بل بدول الجوار كافة.

وشدد الناطق باسم الخارجية أن بلاده لا ولن تتدخل في الشأن الداخلي لليبيا، وأيضًا ترفض التدخل الخارجي في شؤون الدولة الشقيقة، مطالبًا كافة الأطراف الليبية بوقف الاقتتال والجلوس على طاولة الحوار.

تحركات مهمة قريبًا

عبد العاطي أكد لمراسلنا بالقاهرة أن الأيام المقبلة ستشهد تحركات لدول الجوار الليبي بزعامة مصر، من أجل التوصل لحل بشأن الأزمة الليبية المتصاعدة لتجنيب البلد خطورة صراع مسلح لا تتحمله بعد أحداث 17 فبراير التي سبقت الإطاحة بالرئيس السابق معمر القذافي.

وأشار عبدالعاطي إلى أن دول الجوار الليبي سيكون لهم دور مهم في وقف تفاقم الأحداث حين يحاولون الجلوس مع كافة الأطراف وتقريب وجهات النظر مع التمسك برفض العنف والإرهاب والأعمال المسلحة.

وشدد الناطق باسم الخارجية المصرية أن بلاده وكافة الدول العربية تقف صفًا واحدًا ضد الإرهاب لبتره من المنطقة، وهو ما سيكون الأرضية المشتركة لحوار شامل في ليبيا، عندما يرفض الجميع كافة أعمال العنف والإرهاب، ثم تأتي الخطوة الرئيسية عندما تناقش القضايا السياسية بناءً على المصلحة الوطنية.

تفاعل شعبي

لم يكن الشعب المصري بمنأى عن الأحداث في ليبيا، وكما انقسم الليبيون حول طبيعة تحركات اللواء خليفة حفتر هل هي تصحيح لمسار الثورة ومحاربة الإرهابيين أم “انقلابًا على السلطة المنتخبة” كما يدعى البعض، ألقي ذلك بصداه على المصريين حيث رأى فريق خاصة من مؤيدي الرئيس المعزول محمد مرسي أن تحركات حفتر تعد انقلابًا على السلطة، فيما ذهب فريق آخر إلى اعتبار ما يحدث في ليبيا تطهيرًا للإرهاب؛ واصفين “حفتر” بـ”سيسي ليبيا”. والليبيون أنفسهم رددوا هتافات في مظاهراتهم بالعاصمة طرابلس: “نبي سيسسي كي سيسهم”.

دعوة.. وترقب حذر

الأطراف الليبية الداعمة للواء خليفة حفتر دعت الجيش المصري لتقديم المساعدة من أجل القضاء على الإرهاب، ورغم عدم رد المتحدث باسم القوات المسلحة المصرية بشكل رسمي، كانت تصريحات رئيس الحكومة إبراهيم محلب حاضرة حين استبعد في لقاء تليفزيوني أي تدخل لبلاده في الأحداث الليبية.

مصدر حكومي قال لمراسل “إرم” بالقاهرة إن الإدارة المصرية تتعامل مع الموقف في ليبيا بحذر شديد نتيجة حساسيته، وفي الوقت الذي أعلنت فيه أنها لن تتدخل في أمور ليبيا الداخلية فإنها قد تضطر للتراجع عن موقفها كون الأمر يتعلق بالأمن القومي المصري، فضلاً عن العمالة المصرية الكثيفة هناك.

المصدر رفيع المستوى الذي فضل عدم نشر اسمه، شدد على أن الحكومة المصرية ناقشت الأمر أكثر من مرة، وعقدت وزارة الخارجية ودبلوماسيها أكثر من اجتماع لمناقشة تطورات الوضع عن كثب، ورفض الإدلاء بأي تصريحات في هذا الصدد غير “أن مصر تشاهد الأحداث ولا تتدخل”.

وكرر المصدر مقولة الناطق باسم الخارجية المصرية أن بلاده تعالج الموقف بـ”الحكمة”، نظرًا لحساسيته وخطورته على الأمن القومي لبلاده، لاسيما أن مصر تمر هي الأخرى بأحداث صعبة؛ نظرًا لحربها على الإرهاب القادم من سيناء والمرشح أن يطل عبر بوابات ليبيا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث