لبنان ينتخب الفراغ

الاستحقاق الرئاسي رهن الوفاق السعودي الإيراني

لبنان ينتخب الفراغ
المصدر: إرم ـ (خاص) من مارلين خليفة

رسميّا لبنان بلا رئيس جمهوريّة حتّى إشعار آخر. وقع ما تحسّب منه العديد من الدبلوماسيين الأجانب والعرب من عدم قدرة لبنان على إنجاز استحقاق رئاسي بعيدا من أية وصاية أجنبية. يدخل الوطن الصغير بدءا من 25 الجاري، تاريخ انتهاء المهلة الدستورية للإنتخاب، في “شغور رئاسي” مشرّع على فراغ دستوري وعلى اهتزازات أمنية تستعيد فترة الفراغ الحكومي وعلى غياب المهل الدستورية باستثناء استحقاق الإنتخابات النيابية المؤجلة في تشرين الأول (أكتوبر المقبل).

وبعد خروج الانتخابات الرئاسية اللبنانية من العباءة الداخلية لا بدّ من ترقّب إعادة ترتيب المشهد الإقليمي المؤثر حكما باللاعبين المحليين الأبرز:”تيار المستقبل” و”حزب الله” أي ربطا السعودية وإيران وبالمساعي لحلّ مشكلة السلاح النووي مع الولايات المتحدة الأميركية.

همس الصالونات

في الداخل اللبناني حركة دبلوماسية مكثفة، السفير الأميركي في بيروت ديفيد هيل هو الأكثر نشاطا والأشدّ تكتّما، فالسفير الذي يعرف لبنان جيدا وقد نسج في أرجائه شبكة علاقات واسعة منذ أن خدم فيه سابقا كمستشار وكقائم بالأعمال في السفارة الأميركية في التسعينيات يدرك أن الهمس في الصالونات اللبنانية يشبه الصراخ فوق السطوح، لذا يعتصم بالكتمان ويحصر حراكه في دائرة ضيقة.

المناخ الفرنسي بدوره غير محسوم، فباريس تشهد زحمة “مسترئسين” وسفيرها في بيروت باتريس باولي يجاهر بأنّ معادلة “الحريري-عون” التي مهّدت الطريق لتشكيل الحكومة اللبنانية في شباط (فبراير) الفائت تصلح للرئاسة من دون اضطرار لأن يكون عون هو الرئيس بل شخص يحظى برضاه.

في انتظار “الغمزة” السعودية

السعودية تتحرك في الكواليس عبر سفيرها علي عواض عسيري، ترقب حاليا حركة رئيس الحكومة تمام سلام الذي زار جدّة هذا الأسبوع كفاتحة لتسلّم حكومته الصلاحيات الرئاسية. لسان حال المملكة أنها لا تتدخّل في الإستحقاق اللبناني علما بأنّ الجميع ينتظرون “غمزتها” التي لم تأت بعد.

تبقى إيران وقد عيّنت سفيرا جديدا لها في لبنان هو محمد فتح علي الذي لم ينبس “ببنت شفة” عن الإستحقاق الرئاسي وكأن طهران لا تملك اسهمها في لبنان!

ولعلّ هذا المشهد الدبلوماسي الغامض يتوضح أكثر في الجلسات الدبلوماسية غير المعلنة، في هذا الإطار يشي المناخ الدبلوماسي الغربي في بيروت بأن ” الفراغ ينتظر كلمة الّسر، وأن لا إمكانية البتة لاختيار رئيس جمهورية صداميّ، وأن الغرب يرى في ميشال عون وسمير جعجع مشروعان لمشاكل محتملة وبالتالي لا يرغب بمجيئهما بل بفوز شخصية وسطية تشبه الى حدّ ما شخصية الرئيس ميشال سليمان الذي لا يتمتع بشعبية قوية”.

حرب أعصاب إقليمية

وتتحدث هذه الأوساط الغربية عن “حرب أعصاب إيرانية سعودية قائمة حاليا وهي لن تتوضح إلا بعد الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف الى المملكة”.

لكن وسط مناخ تأجيل هذه الزيارة يبقى مصير الإستحقاق الرئاسي اللبناني مجهولا.

ويظهّر هذا الغموض الإقليمي بلبلة في الداخل اللبناني: رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري لا يعطي كلمة واضحة للعماد عون، في حين تشير أوساط “تيار المستقبل” بأن عون غير مقبول حريريا وأن الأخير ينتظر “أن يقتنع الجنرال لوحده لهذه المعادلة”. في هذا الوقت يستثمر الحريري وفريقه السياسي الطموح الرئاسي لعون حتى النهاية وذلك بالظفربالمزيد من التنازلات العونية سواء في التعيينات الإدارية أو في الخطة الأمنية أو في مسائل عدّة يمررها عون في مجلس الوزراء “كرمى لعيون” الوعود الحريرية التي تبقى لغاية اليوم هباء.

ثقة الجنرال لا تتزحزح

في الرابية، مقرّ عون قناعة بل يقين بأن “الجنرال سيكون الرئيس المقبل”. يدرك أهل الرابية بأن عون يدفع أثمانا لكنهم يعتبرونها أثمانا رخيصة في حال حصل على الموقع الرئاسي الأول. لا يمتلك عون “خطة باء” تعبئ الفراغ في حال عدم وقوع الخيار عليه، فالخسارة غير مرتسمة في الأفق العوني لا من قريب ولا من بعيد.

وليد جنبلاط من جهته يتخبط بين ناري “8 و14 آذار”، يخاف كثيرا هذه الأيام من “المثلث المتساوي الأضلاع” الذي تحدّث عنه “جنرال الرابية” ملمحا الى عمله على قيام تحالف يضمّ “تيار المستقبل” الى التفاهم العوني مع “حزب الله”. هذا الحلف المسيحي- السني- الشيعي يؤرق “زعيم المختارة” ويجعله اكثر تشددا في رفض خيار عون للرئاسة، وهو بطبيعة الحال يرفض وصول سمير جعجع قائد القوات الذي كانت معه صولات وجولات في الحرب اللبنانية.

الصامت الأكبر

يبدو “حزب الله” الصامت الأكبر، فالقوّة العسكرية الأبرز في لبنان، وصاحب القوة السياسة الهائلة، والحزب الذي حقق الإنتصارات ضدّ إسرائيل وخاض في النيران السورية ورجّح الكفّة لصالح الرئيس بشار الأسد لا ينبس ببنت شفة حيال الإستحقاق الرئاسي القادم.

يمشي “حزب الله” كالطفل وراء ميشال عون، مسهّلا له معركته الرئاسية حتى النهاية، متقبلا استراتيجياته الإنفتاحية على “تيار المستقبل” وعلى السعودية وعلى من يشاء…لا يريد الحزب أن يشكّ حليفه المسيحي للحظة واحدة بأنه يعرقل وصوله الى الرئاسة وذلك وفاء لكلّ تضحيات الرجل الذي يصفه أنصار “حزب الله” “بالرجل الوفي”.

ربما لا يؤمن “حزب الله” في قرارة نفسه بأن عون قادر على الوصول الى الرئاسة في مرحلة التجاذب السعودي الإيراني” لكن بالرغم من ذلك فإنه يرفض حتى وضع “خطة باء” في حال فشل الجنرال من تحقيق طموحه الرئاسي معوّلا على خيارات الرجل التي سيقبلها بلا نقاش.

حظوظ جان عبيد

وأفاد تقرير عن اجتماع عقده السفير الأمريكي في بيروت ديفيد هيل مع نواب 14 آذار أن السعودية بدأت تتصل مباشرة مع طهران بعد وساطة مبدئية من سلطنة عمان وانها لم تعد بحاجة إلى وساطة في علاقاتها مع ايران وهي تتشاور مع طهران بشأن الوضع السوري والوضع اللبناني، وأن تشكيل الحكومة اللبنانية جاء ثمرة لهذه المشاورات وان انتخاب رئيس لبناني جديد سيكون ايضا ثمرة لهذه المشاورات.

وحول الموقف السعودي والإيراني، قال الوزير مروان حمادة إن الموقف السعودي الايراني مهم في حسم مسألة الرئاسة في لبنان وان الموقف العلني لحزب الله وحركة أمل بدعم ميشيل عون ليس نهائيا لأنهم كحلفاء لدمشق يخشون من أن عون قد يتغير في أية لحظة ولو كانوا راغبين في دعمه للرئاسة لأوفد حزب الله الحاج وفيق صفا الى وليد جنبلاط ليدعم عون لأن جنبلاط يأتمر بأوامر حزب الله” . لكنهم لم يرسلوه حتى الآن وأغلب الظن أن الرياض وطهران تبحثان جديا دعم المرشح جان عبيد.

الرقص على حافة الهاوية

وسط هذا المشهد الداخلي، يبدو بأن الفراغ الرئاسي سيفتح الترشيحات على سيناريوهات وأسماء جديدة: بمن سيقبل عون رئيسا بديلا منه؟

وما هي الأثمان التي سيطلبها؟ وماذا عن مخاطر تحوّل الشغور الى “فراغ تأسيسي” يضرب دستور الطائف ويعيد خلط الأوراق بين الطوائف اللبنانية ويطرح “المثالثة” التي ينادي بها “حزب الله”؟

أسئلة الشغور ممضّة، والجواب يبقى في الغيب في حين سيعود لبنان الى الرقص على “حافة الهاوية”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث