حماس تستجيب لنصيحة الغنوشي ( 2 )

زعيم النهضة يدعو لترميم علاقات حماس بعيدا عن غرور إخوان مصر

حماس تستجيب لنصيحة الغنوشي ( 2 )

إرم ـ خاص

كشفت مذكرة لرئيس حركة النهضة التونسية وزعت في اجتماع قادة التنظيم العالمي للاخوان عقد في اسطنبول في منتصف الشهر الماضي وقرأها نيابة عنه ممثل النهضة في الاجتماع، عن أنه لعب دورا في التحول في موقف حماس من المصالحة الفلسطينية، وانه هو الذي طلب من تنظيم الإخوان المسلمين ترك المجال أمام حركة حماس لترميم علاقاتها المدمرة بعد الفشل الذي مني به تنظيم الإخوان في مصر.

ووصفت المذكرة بأنها إنقلاب في فكر الغنوشي، وأثارت اسيتاء لدى رجب طيب اردوغان عند عرضها على اجتماع قادة الإخوان، حيث طلب اردوغان عدم نشرها والتكتم عليها. وكان رد الغنوشي غاضبا على تصرف اردوغان. لكنه لم يأبه بطلب رئيس الوزراء التركي وقام بتوزيعها على قادة الاخوان بعد عشرة أيام من الاجتماع رافضا قرار التنظيم العالمي بحفظها وكتمانها.

وفي معرض تناوله للوضع الفلسطيني وحركة حماس في مذكرته، قال الغنوشي أشير في البداية لعملية الجدل والحوار التي سادت حركة الإخوان المسلمين بالنسبة للخصوصية الفلسطينية وكيف كانت بعض الاصوات لا ترى خصوصية لأي وضع مهما كان، وأصروا على ان حركة الاخوان المسلمين تبقى واحدة موحدة في كل ساحاتها وقياداتها.

وذكر الغنوشي بالورقة المقدمة من قيادة حركة الإخوان المسلمين في فلسطين والأردن، والتي طالبت باصرار على تمييز حركة الاخوان المسلمين في فلسطين، ومنها الخصوصية نتيجة لطبيعة الاحتلال الاسرائيلي، وأنه لا يمكن أن تنخرط حركة للإخوان المسلمين في فلسطين في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي باسم جماعة الاخوان المسلمين لما له من سلبيات وعواقب على ساحات اخرى قد تنعكس على الاخوان المسلمين في بلاد عربية وأجنبية.

وبشأن الجدل والحوار الذي انصب على كيفية التعامل مع الواقع في فلسطين ذكر الغنوشي أنه كان من أكثر المتحمسين لإعطاء خصوصية واضحة ومحددة وبصلاحيات مطلقة لفرع الإخوان المسلمين في فلسطين لصياغة برامجه وتحديد مرجعياته وبما يتلاءم مع كونهم تحت الاحتلال وان مهمات نضالية تقع على عاتقهم.

وقال لذلك طلبت وبصراحة النظر بانشاء فرع للاخوان المسلمين في فلسطين كحركة تحرر وطني من الممكن ان يصوغ برنامجه من دون التقيد بحرفية التعليمات وان كان يتفق معنا في الجوهر والمرجعية.

لن أطيل في هذا الجانب لكي أشرح حجم الصعوبة التي ولدت فيها حركة حماس ولكن لا أريد أن أنفي ان قناعة عامة قد تعمقت وهي أن فلسطين وقضيتها في وجدان كل عربي وكل مسلم في هذا العالم ولا بد من ان ينطلق تفكير الاخوان المسلمين بما يتلاءم مع هذا الواقع.

ولدت هذه الحركة بصعوبة بالغة وكانت قادرة منذ بداية انطلاقتها على ابراز وجودها فالتف حولها قطاعات من الشعب الفلسطيني ناظرين اليها كقوة داعمة للتخلص من الاحتلال في الوقت الذي كانت منظمة التحرير تعيش حالة من التخبط والشلل بعد خروجها من بيروت في عام 1982 حيث عانت من الانقاسامات والانشقاقات الكثيرة بسبب هيمنة وتسلط قيادة المنظمة التي لم تراع صوت الغالبية العظمى من ابناء الشعب الفلسطيني.

ما أردت قوله في هذا الجانب ان التيار المهيمن داخل الاخوان المسلمين والذي كان معارضا منذ البداية لانطلاق فكرة حركة حماس ظل طيلة الفترة الماضية يتحين الفرص من اجل لجم هذه التجربة وإفراغها من محتواها خشية من التجديد والتغيير في الجماعة.

لقد حققت حركة حماس انتصارات كبيرة من انطلاقتها ففرضت وجودها وشقت طريقها وأصبحت ركنا اساسيا من محاور الوضع الفلسطيني في محور المقاومة والممانعة في العالم العربي والإسلامي.

وقعنا في جدل جديد وواسع داخل صفوف الإخوان المسلمين حول هذا المحور ووجود حماس فيه فقد كان البعض لا يريد لحركة حماس أن تكون ضمن هذا المحور والبعض الآخر كان يدافع عن ذلك.

ومما يؤلم ويفجع أن القرار في حركة الإخوان المسلمين كان شاملا وصارما، فمكتب الارشاد يصدر توجيهاته وقراراته بصفة عامة بعيدا عن خصوصية كل جهة وحاجتها.

كنت وكان معي أخوة أعزاء كثيرون من الداعمين لفكرة استقلالية حركة حماس وفتح المجال أمامها لأية تحالفات تخدم قضيتها دون التزامها بمحاذير الإخوان المسلمين ونجحنا في ذلك.

فقد دخلت حركة حماس بتحالفات ناجحة مع قوى ودول مقاومة للاحتلال في المنطقة حيث سلحتها وجهزتها ودربت افراد هذه الحركة لتكون قوة سياسية وفاعلة في مواجهة الاحتلال.

كل ذلك كان يسير وما زال البعض في حركة الإخوان المسلمين يتحفظ ويعارض ذلك، حتى فكرة انضمام الحركة لمنظمة التحرير جوبهت بشدة من قبل هؤلاء فقد كان التفكير الاستراتيجي للاخوان المسلمين ينظر الى حركة حماس كبديل لمنظمة التحرير وليس كرديف لها في المقاومة لتحرير فلسطين فتم التصدي والمجابهة لكل محاولات انضمام الحركة لمنظمة التحرير. لقد وقعت حركة حماس تحت هيمنة كبيرة اثناء (الربيع العربي) ففي الوقت الذي كنت أنا وزملاء نرى بضرورة أن تبتعد حركة حماس قدر الامكان عن الثورات العربية الداخلية وأن لا تزج بنفسها لتكون طرفا ضد طرف إلا أنه، وللأسف، فقد ارتأت القيادة المتنفذة في حركة الاخوان غير ذلك فزجت بالحركة في ساحات عديدة ضمن معادلة التصارع الداخلي في الدول العربية معتقدين أن ساعات حسم الانتصار قد حلت، وأن حركة الإخوان المسلمين أصبحت هي الواجهة السياسية والمعنوية في محور جديد للمقاومة والممانعة في العالم العربي، وأنها أصبحت القوة الفاعلة في ذلك، ولقد جاء هذا بعد انتصار الثورة المصرية وانتصار الإخوان فيها. لقد اعتبر الإخوان أنفسهم بعد ذلك أنهم قد أصبحوا القوة الحاسمة والمسيطرة في المنطقة، وأنه قد آن الاوان لإبراز هوياتهم وتسديد فواتير خلافاتهم مع الآخرين. لقد أصبحت حركة حماس ضحية لهذه الرؤية فضربت بتحالفها في محور المقاومة والممانعة واصبح بعض قادة حماس ينظرون لانفسهم بأنهم هم الممثلون الحقيقيون للفلسطينيين .

لقد اصابهم شعور الزهو والانتصار والغرور وبدأو ينظرون للاطراف الفلسطينية الاخرى بتعال معتقدين ان زمن الاخوان قد بدأ وان الاخرين اصبحوا من الفلول والماضي. هنا لا بد لي ان اشير ان كثيرا من قادة حركة حماس الذين كنت على اتصال بهم لم يكونوا مرتاحين في هذا المساق بل ورافضين له، لأنهم يعتقدون ان معركتهم مع الاحتلال طويلة وانهم بحاجة الى كل الامكانيات ووحدة المقاومة وان ما خسروه بعد التحولات في هذا الربيع هو اكثر مما كسبوه ولقد اكد لي بعض قادة حماس ان حرية الاجتهاد عندهم والقرار بالنسبة لهم كانت مقيدة.

اليوم أطرح، من جديد، ضرورة أن نترك للفلسطينيين وبالذات لحركة حماس مجالا واسعا لترميم علاقاتهم المدمرة وفتح المجال امامهم لبلورة اتفاق فلسطيني فلسطيني جديد يساعد الحركة على الخروج من أزماتها الداخلية والخارجية وان لا نقيدهم بمعادلات الصراعات الداخلية في بعض الدول العربية، لأن هدفهم وقضيتهم اسمى من كل هذه الخلافات ولأن الوضع الذي وصلت اليه حركة حماس اصبح في غاية الصعوبة والضيق والحصار. لقد آن الأوان لأن نستخلص العبر ونعطي الفلسطينيين المجال الرحب لصياغة برنامجهم من جديد بانطلاقة جديدة وروحية جديدة ليخرجوا من الزلة التي كنا جميعا قد ساهمنا فيها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث