المالكي يواجه عقدة الائتلاف

تشتت الأصوات يوسع حجم الضغوطات الإقليمية لإتمام الاستحقاق الحكومي

المالكي يواجه عقدة الائتلاف
المصدر: إرم- (خاص) من محمد المومني

بعد أن استطاعت حكومة المالكي إجراء الانتخابات العراقية في موعدها المحدد، وسط جملة من التهديدات الأمنية التي قادتها المليشيات المسلحة وعلى رأسها “داعش” باتت الحكومة أمام استحقاق الانتقال السلمي للسلطة وفق الدستور.

وتبدو المرحلة المقبلة مهمة فاصلة في الحياة السياسية العراقية، التي تجري تجربتها الديمقراطية الأولى بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، فحكومة المالكي الآن، أمام مهمة تطبيق ما ستفرزه الانتخابات على أرض الواقع.

ويزداد تصميم الحكومة العراقية على ذلك، في ظل استطلاعات للرأي تؤكد فوز ائتلاف المالكي “دولة القانون” بأغلبية الأصوات متقدمة على الكتل الصدرية وائتلاف المواطن، لكن ذلك وحده لن يضمن للمالكي ولاية ثالثة، رغم ما يعلنه ائتلاف المالكي بأنه حاز على عدد مهول من المقاعد يتجاوز المئة كما صرح القيادي في الائتلاف خالد الأسدي.

أما كتلة المواطن فتبدو أكثر منطقية بإعلانها الفوز بأربعين مقعدا نافية أن يكون المالكي حاز على مئة مقعد، بينما توقعت الكتل الصدرية الفوز بأكثر من 45 مقعدا.

ويرى المالكي في ما حصل على الساحة السياسية العراقية أخيرا، نجاحا باهرا، يثبت فيه بأنه قادر على قيادة العراق وسط الأوضاع الراهنة، فبعد أن كانت واشنطن تحمله جزءا من مسؤولية التدهور الأمني في البلاد، أثبت لها قدرته على إجراء الانتخابات والمضي قدما في العملية السياسية الديمقراطية بمساندة من السفارة الأمريكية في بغداد، التي لم تبخل على المالكي بالنصح خلال الأيام الماضية العصيبة.

ويبقى السؤال المطروح هنا، هل ستختلف وتيرة العنف التي لازمت فترة الدعاية الانتخابية وأيام إجراء الانتخابات عن ما هو متوقع حدوثه الأيام المقبلة في محاولة إفشال ما توصلت له صناديق الاقتراع من نتائج؟

المليشيات المسلحة -وأبرزها تنظيم دولة الإسلام في الشام والعراق- التي تتخذ من محافظة الأنبار موطنا لها، ما انفكت من ممارسة ضغوطها الأمنية وعملياتها التفجيرية مستهدفة المقار الانتخابية والمراكز الأمنية في محاولة لإفشال الانتخابات، ولكنها ستكثف من عملياتها أيضا في محاولة لمنع انتقال ديمقراطي للسلطة على ضوء نتائج الانتخابات.

هذه المليشيات نجحت في إقصاء الصوت السني عن المشاركة الفاعلة في الانتخابات بمحافظة الأنبار، مثلما أقصت مشاركة حوالي 370 ألف نازح حاولت السلطات العراقية ضمان مشاركتهم بالانتخابات من خلال تأمين 82 مركزا انتخابيا لهم، منها 37 داخل المحافظة والـ45 الباقية خارجها، وفي المحصلة 15 مقعدا للأنبار بغض النظر عن نسبة المشاركة.

الانتخابات العراقية أفرزت ظهور تكتلات شيعية للمرة الأولى داعية للتغيير ويعلو فيها الصوت المعارض للمالكي، إلا أنها لن تكون المنافس الشرس لتياره “ائتلاف دولة القانون” إلا في حال تحالفها ضده.

المالكي الآن أمام استحقاق تولي الولاية الثالثة، وهو تحد صعب في ظل التطورات السياسية على الساحة العراقية، فالكتل الصدرية التي جاءت في المركز الثاني تعارض ولاية ثالثة للمالكي، كما أن زعيمها مقتدى الصدر، وجّه اتقادات لاذعة لسياسات المالكي متهما إياه بمحاولة تهميش السنة واللعب بالمركب الديمغرافي للعشائر السنية في الأنبار.

وفي حال تحالف -على ما يبدو أنه وشيك- بين الكتل الصدرية وائتلاف المواطن، فإن بقاء المالكي رئيسا للوزراء ضرب من المستحيل، في حال لم ينجح في إعادة تشييد البيت الشيعي وإنهاء حالة الانقسام، وهذا ما ترنو إليه إيران التي سيكون لها دور بارز في ذلك.

وبعد أربع سنوات من التفكك الشيعي الذي كان سببا في عدم ظهور منافس واضح للمالكي، تتوجه الأنظار للاعبين الأساسيين في العملية الانتخابية الذين سيكون لتوافقهم الدور المحدد لشخص رئيس الوزراء المقبل؛ وهم المرجع الشيعي علي السيستاني و مقتدى الصدر ورئيس كردستان العراق مسعود بارزاني وأخيرا رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي.

لذا، المالكي أمام خيارات التحالف مع الكتل الشيعية للوصول إلى الأغلبية التي تمنحه التمسك بمنصبه، أو التحالف مع المكون السني ومحاولة بناء تحالف مع عشائر الأنبار وكسب أصوات مقاعدها الخمسة عشر، إضافة إلى كسب ود التحالف الكردستاني الموحد الذي سيلعب دورا بارزا في ترجيح كفة على أخرى.

إلا أن مستشار رئاسة إقليم كردستان، ريبين رسول، وصف رئيس الوزراء العراقي المنتهية ولايته نوري المالكي بـ”الفاشل”، مشيراً إلى أن المالكي لم يحقق أي تقدم في بناء الدولة العراقية على أسس ديمقراطية.

وكان المالكي أكد، الخميس، على ضرورة تشكيل حكومة الأغلبية السياسية بعيداً عن المحاصصة الطائفية.

وعبر في مؤتمره الصحفي عن ثقته في قدرته على تشكيل حكومة أغلبية سياسية، قائلا: “لدينا ثقة في أننا نستطيع تحقيق الأغلبية السياسية، وأنه لا محاصصة ولا توافقية ديمقراطية، ونحن قادرون على تحقيق أكثر من 165 مقعدا”، من بين مقاعد البرلمان البالغ عددها 328.

وقال رسول إن دعوة المالكي لإقامة حكومة على أساس الأغلبية لا يمكن تحقيقها، لافتاً إلى أن رئيس الوزراء لم يستطع إدارة الحكومة على أسس الشراكة الوطنية.

وأضاف رسول في حديثه لـ”إرم” أن تشكيل حكومة على أساس الأغلبية السياسية لا يمكن تحقيقه في ظل الظروف الحالية التي يعيشها العراق وإدارة البلاد من طرف أو حزب سياسي واحد، مبيناً أن العراق يحتاج عشرين عاماً لتحقيق مفهوم الأغلبية السياسية.

وشدد السياسي الكردي أحد أهم خصوم المالكي، على أن الأخير لا يمكن له مواجهة الإرهاب وداعش والجهات المتطرفة إلا من خلال مشاركة السنة المعتدلين. وقال في هذا الصدد “إن المالكي خسر السنة المعتدلين وهم متحدون”.

ثلاث كتل شيعية ستحاول التغيير؛ الوزراء، وكتلة المواطن التي يتزعمها مرشّحو المجلس الأعلى الإسلامي في العراق، وكتلة الأحرار التي كانت تمثّل التيار الصدري قبل أن ينسحب زعيمه مقتدى الصدر من الحياة السياسية.

وعن التصدع الذي ضرب البيت الشيعي (التحالف الوطني)، اعتبر السياسي الكردي ريبين رسول، هذا التشتت سيساعد على ظهور شخصيات قيادية أخرى غير المالكي.

وأضاف “للشيعة قيادات مرموقة تحظى بقبول لدى السنة وبقية الشيعة خصوم المالكي”.

وتابع “لا يمكن تلخيص كل الشيعة بالمالكي، وتم منحه فرصتين بدعم أمريكي وإيراني وإقليمي، والمالكي يفقد يوما بعد آخر أجزاء من العراق بسبب وجود الإرهاب الذي فشل في القضاء عليه أو الحد منه”.

ولخص ريبين رسول وضع الحكومة التي قادها المالكي على صعيد الأمن والاقتصاد بأنه فاشل، واصفاً “الوضع الاقتصادي للبلاد “بالمنهار” مؤكداً أن المالكي شكل عائقا في توحيد الشعب العراقي.

وختم تصريحه لـ”إرم” بأن رئيس الوزراء نوري المالكي استعمل الجيش العراقي لتصفيات طائفية وقومية ضد السنة والأكراد”.

ويرى مراقبون أن مرحلة ما بعد الانتخابات استحقاق مهم لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يمثل تحديا لا يقل أهمية عن تحدي إجراء الانتخابات.

فوسط معركة خاضها المالكي مع معارضيه الشيعة في جنوب العراق، ما تزال أصوات معظم الأهالي معارضة لسياساته التي تسببت بفقدانهم أبناءهم الجنود في معركة الأنبار، التي ما زالت رحاها تدور، لذلك ستواجه ولاية المالكي الثالثة معارضة عراقية أكثر تطورا.

الانتخابات العراقية ستشكل الوجه الجديد للحكم رغم أن الدستور ينص على خارطة ثابتة تلزم أن يكون الرئيس كرديا ورئيس الوزراء شيعيا ورئيس مجلس النواب سنيا، إلا أن هناك دورا فاعلا ستمارسه إيران لتحديد الشخص الأكثر تأثيرا في تلك الخارطة وهو رئيس الوزراء.

ففي ظل تراجع الدور الأمريكي المؤثر بعد انسحاب القوات الأمريكية من العراق، يبرز الدور الإيراني في ظل دور سعودي وقطري كان بمثابة “الشماعة” التي علّق عليها المالكي ملف التوتر الأمني في البلاد.

إفرازات العملية الانتخابية تنبئ بجفاء سياسي من الجانب السعودي والقطري على السواء، ولكن المالكي أمام مرحلة تشكيل تحالفات جديدة وأمام مرحلة لن تغيب عنها بعض التنازلات للوصول للهدف؛ إرضاء الحليف الفاعل إيران، دون إغفال لتحالف التيار الكردي الذي يكتسب أهميته من آلية رص صفوفه التي تجعل منه قوة سياسية لا يستهان بها.

وتبقى فترة إعلان نتائج الانتخابات والتصديق عليها بعد خوضها معركة الطعون، فترة حاسمة وحرجة سيتخللها الكثير من العقبات الأمنية والسياسية، فالقانون الداخلي للمفوضية المستقلة للانتخابات يفرض عليها أن تنظر في كل طعن تقدمه أي من الجهات المأذون لها بذلك أو ذات العلاقة كما حدث في الانتخابات الماضية عام 2010 حيث تطلب التصديق على النتائج 86 يوما عصيبا.

يبدو أن الأيام التي ستتطلبها النتائج للتصديق هذه المرة، ستكون أكثر حرجا في ظل أوضاع أمنية متردية ومعارضة شيعية جديدة، ما يبنبئ بمعركة من نوع جديد سيخوضها المالكي؛ عسكريا مع الميليشيات المسلحة، وسياسيا مع معارضيه الجدد الذين لن يوفروا أي فرصة لخوض نوعا جديدا من المعارضة يكتسب طابعا يصرّ على التغيير.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث