هوامش على خطاب السيسي

هوامش على خطاب السيسي
المصدر: القاهرة – (خاص) من إميل أمين

لم تكن كلمة المشير عبد الفتاح السيسي، الأربعاء 26 آذار/ مارس، التي أعلن فيها استقالته، كلمة اعتيادية، حيث بدأ كلامه وكأنه “رجل ينطق ويمنطق التاريخ بكلماته”.

أول ما يلفت الانتباه في كلمته، هو ما لم يقله بلسانه، وبدا واضحا على ملامح وقسمات وجهه، فالسيسي بدأ في كلمته وكأنه يحمل دهرا من الصعاب والآلام على كاهليه، بخلاف السيسي المنتشي كالطاووس يوم طلب من الجماهير أن تنزل إلى الشارع في 27 تموز/ يوليو المنصرم، لتعضيده في مكافحة الإرهاب المحتمل، والسبب بسيط وواضح وهو العبء الكبير الذي ينتظره.

خطاب الترشح خلا من الوعود البراقة، والأحلام المخملية، ونحا نحو الحقائق بمرها في الحاضر وحلوها في المستقبل، وفي هذا كاد أن يشابه ما فعله تشرشل مع الانكليز غداة الحرب العالمية الثانية عندما وعد شعبه بالعرق والدموع، لكن النصر كان حليفه لاحقا.

المهمة التي تنتظر السيسي، على حد تعبيره صعبة بالفعل، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وأمنيا، لكن ثقته في الجماهير التي أزاحت من قبل نظامين، هي رصيده الحقيقي في الشارع المصري أمس واليوم وغدا.

في كلمته المقتضبة التي لم تتجاوز الربع ساعة، بدا الرجل واعيا جدا لمهمته الحقيقية “استنهاض مصر”، وعودتها إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في الداخل وفي الإقليم وعلى مستوى العالم. غير أنها مهمة محفوفة بالمترصدين والمتربصين في الداخل والخارج على حد سواء.

الحزم والحسم كانا سمة السيسي منذ البداية، وفي كلمته، فالاقتراب من مصر، والتدخل في شؤونها أمر سيلقى رفضا كبيرا وواسعا، ولاحقا غضب شعبي يمكن أن يتطور في صور عدة، وهي رسائل جيدة للأعداء الذين لا يبارحون التخطيط لاستهداف مصر.

تأكيد السيسي على حاجة المصريين لبناء دولة ديمقراطية حديثة، أثلج صدور كثيرين، ونزع المخاوف التي يحاول البعض ترويجها عن ما يزعمونه “حكم العسكر”، أي الشمولية والديكتاتورية، فالرجل يعلم جيدا أن زمان الأنظمة الدكتاتورية مضى وفات أوانه، وأن مصر في حاجة فعلية إلى “بيج بانج”، أي انفجار ديمقراطي ليبرالي عظيم، لا يتسم بعلمانية جافة ولا أصولية ظلامية.

السيسي في كلمته باعد كثيرا بينه وبين أفكار “الانزياحات الشمولية”، أن جاز التعبير، إذ رأى أن الشعب هو القادر على اختيار رئيسه، وإذا أختار المصريون، حسم الأمر، وترشحه لا يعني بالضرورة قطع الطريق على مرشحين آخرين للدخول في حلبه السباق.

من خلال تحليل أولي لكلمات الرجل الارتجالية، بدا واضحا أنه “كائن مثقف” وهو أمر ليس بغريب على مدير المخابرات الحربية سابقا، فالشعب عنده مصدر السلطات، والحكم في تقديره عملية تعاقدية، وكأنه هنا كان سيحضر روح جان جاك روسو في العقد الاجتماعي.

أمر آخر يتصل بهذا السياق، حيث لا نهضة بدون عمل وجهد وصبر، ولن ينجح الحاكم بمفرده، انتهى زمن الفرعون الإله، نزل الرئيس من على المحفة، أنه صوت “الكسندر ديماس الأب” في رائعته “الفرسان الثلاثة، حيث “الكل للواحد، والواحد للكل”، والواحد المرشح الرئيس أول من يقدم الجهد والعرق دون حدود من أجل مستقبل مصر تستحقه.

الجمهورية القادمة في تاريخ مصر هي الجمهورية الثالثة، لكنها في تاريخ المصريين التجربة الرابعة في استنهاض همة المصريين والعرب، فمن قبل كانت تجربة محمد علي، ثم أحمد عرابي، فجمال عبد الناصر، وأخيرا عبد الفتاح السيسي، وهدفها القفز على المعوقات التاريخية التي حالت دون الديمقراطية والتنمية والسلام.

يعلم القاصي والداني أن أصحاب المؤامرات لن يتركوا الرجل يهنأ في الحال ولا الاستقبال، لكن هناك عوامل تزخمه وتدفع به لنجاحات كبيرة، حيث أن الجغرافيا السياسية حول العالم في صالح السيسي، وقلب العالم المتغير يدعم مشروعاته المستقبلية، خاصة مع تحرك الثقل المركزي للبشرية نحو آسيا، كما أن الأطر التاريخية التقليدية للهيمنة الأمريكية الآخذة في الأخفاق، تضعف من التأثير السلبي الرافض للسيسي، أضف إلى ذلك أن عودة الوعي العربي والصف المشترك أمور كلها تساعد الرجل في مهمته المقبلة.

المهمة جسيمة ووحش الإرهاب رابض خلف أبواب مصر، متشوق لأن يتسيد عليها، ليس على مصر فقط، بل العالم العربي برمته، وهذا ما بدا السيسي متنبها له، وواضعا نصب عينيه محاربته مصريا وعربيا.

الأزمة باللغة الصينية، تكتب برسومات تعني إما الخطر أو الفرصة.. مصر أمام استحقاقات تاريخية لمستقبل واعد يأمل المرء ألا يضيعه المصريون أو فصيل منهم بإرادة غافلة أو جاحدة أو حاقدة.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث