الإخوان يدفعون السيسي للرئاسة

الإخوان يدفعون السيسي للرئاسة

تاج الدين عبد الحق

من بعيد، يبدو البعبع الأمني طاغيا، على المشهد السياسي. لكن ما أن تصل القاهرة، حتى تدرك أن الصورة من الخارج مضخمة بأضعاف ما هي في الواقع، وأن المخاوف الأمنية، وإن كانت لاتزال ماثلة، وحقيقية، إلا أنها أشبة بالقنابل الصوتية التي تحدث ضجيجا وصخبا، أكثر صدى وأبعد مدى، من القنابل الحقيقية، التي توقع خسائر بين الناس وتلحق الدمار بأرزاقهم، وأملاكهم.

في القاهرة الخارجة للتو من الاستفتاء على الدستور، والتي تستعد لانتخابات الرئاسة، يبدو المشهد ملتبسا. فالشعبية التي تحظى بها المؤسسة العسكرية المصرية مجسدة بالمشير عبد الفتاح السيسي نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع، توحي بأن السيسي بات على أعتاب قصر الرئاسة، لكنها بنفس الوقت تترك حيرة لدى قطاع عريض من مريديه وحوارييه، وتجعلهم موزعين بين الرغبة في وصوله للحكم، والخوف من أن تلوث السياسة صورته، التي ظهر فيها في يونيو الماضي كبطل منقذ، يتقدم الصفوف إحساسا بالمسؤولية لا طمعا بالقيادة.

الذين يقدرون ما فعله الجيش منقسمون الآن، ومع أن الصوت الغالب هو دعم ترشيح السيسي وإعتباره المؤهل الأفضل لقيادة المرحلة المقبلة. إلا أن أصواتا كثيرة بدأت تسمع، في أوساط الاعلام، الذي يملأ الشاشات ضجيجا وصراخا بالمعنى اللفظي لا المجازي، وفي أوساط النخب التي ترى، أن الهاجس الأمني، وإن بدا كبيرا، إلا أنه لا يشكل، حسب رأيهم، إلا رأس جبل جليد من أزمات مزمنة تعيشها مصر منذ عقود طويلة والتي كانت تتفجر من حين لآخر على شكل حوادث أمنية، قبل أن تأخذ شكل ثورة شعبية عارمة في 25 يناير من عام 2011

هؤلاء يقولون، أيضا، إن ثورة30 يونيو العام الماضي أقحمت الجيش في المعادلة السياسية وجعلته طرفا فيها حتى لو تمنع،ولاعبا أساسيا حتى ولو أنكر. وهي ترى أن إخراج الجيش من هذه المعادلة لا يتأتى إلا بالعودة للثكنات، لا التطلع للقصر. وهؤلاء يقولون إن ترشيح السيسي للرئاسة قائم على أساس واحد، هو نجاحه في استعادة الأمن والانضباط، وهذا النجاح ليس كافيا لمعالجة القضايا المستعصية الأخرى، بل إن هذا النجاح قد يكون عبئا عليه لأنه يرفع سقف توقعات المواطنين، ويجعل من النجاح الأمني نموذجا لنجاحات مطلوبه أخرى، في مجال الاقتصاد والخدمات وتحسيين المعيشة.

النجاح الأمني الذي حققه السيسي كان ممكنا لأنه كان يمتلك أدواته ويمتلك الخبرة الكافية لإدارته، لكن النجاح في الرئاسة يتطلب مهارات أخرى قد لا تتوفر الآن في السيسي، وقد لا يجد في الجو السياسي المحيط به من يعينه عليها.

فحلفاؤه الذين وقفوا خلفه في يونيو من العام الماضي، يجدون في الشعبية التي حققها المشير تهديدا لطموحات سياسية، وتجاهلا لتضحيات قدموها على مذبح التغيير. وهم بين من ينحني للريح الشعبية، التي تطير بالسيسي نحو قصر الرئاسة، وبين من يتصدى لهذه الريح باعتبارها خروجا عن قواعد اللعبة، وعودة بآمال التغيير للمربع الأول.

والمفارقة هنا أن هؤلاء يلتقون مع خصومهم من الإخوان المسلمين، في رفض ترشح السيسي ورفض أي دور للمؤسسة العسكرية في تشكيل الحياة السياسية المصرية المقبلة.

والمفارقة أيضا أن الإخوان الذين يحاولون زعزعة الانجاز الأمني الذي حققه السيسي، بالمظاهرات والتفجيرات المتنقلة والسيارات المفخخة، لثنيه عن الترشح، وتمزيق خارطة الطريق التي أقترحها وتعطيل ما نتج عنها، يلتقون من حيث لا يحتسبوا مع مؤيدي السيسي والمطالبين به رئيسا لهم، بإعتباره الضامن لأمنهم واستقرارهم.

الإخوان من حيث لا يقصدون يدفعون السيسي للرئاسة، فهم بأعمالهم وتفجيراتهم ومظاهراتهم التي ارهقت الشارع المصري وعطلت الحياة فيه، يزيدون من تأييد هذا الشارع لترشح المشير، ويكرسون صورته لدى المصريين كبطل منقذ، وفارس مخلص.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث