جنيف 2.. العراقيل تطغى على التطلعات

الاختلاف على معنى "العملية الانتقالية" يحول دون التوصل إلى نتائج

جنيف 2.. العراقيل تطغى على التطلعات

جنيف – بدأت المفاوضات السورية بتركيز وسيط الأمم المتحدة الأخضر الابراهيمي على التوصل إلى اتفاق يتيح توصيل المساعدات الإنسانية الى مدينة حمص المحاصرة قبل توجيه دفة المفاوضات نحو موضوع التسوية السياسية للحرب التي قتلت زهاء 130 ألف شحص وشردت الملايين.

وقد أبدى الجانبان استعدادهما لمناقشة وثيقة عام 2012 التي تدعو لعملية انتقالية لكن كلا منهما يفسرها بطريقة مختلفة. فالمعارضة تقول إنها تعني تنحي الرئيس بشار الأسد بينما تقول الحكومة إن دعوات رحيله ضرب من الخيال.

ويقول دبلوماسيون إن إيجاد مخرج من هذه الدائرة المقفلة يتطلب الحفاظ على استمرار المحادثات لأشهر وربما لسنوات.

ويتعلق الأمل في هذه الحالة بتغير تركيب الوفدين مع مرور الوقت فيصبح وفد المعارضة أكثر تمثيلا للمقاتلين في الداخل ويعبر وفد الحكومة عن تجدد الشكوك في إمكانية استمرار الأسد.

وقال المصدر الدبلوماسي “كلما طالت المحادثات زاد احتمال مشاركة معارضين مختلفين في العملية.” وقالت مصادر أخرى إنه إذا مضت عملية جنيف قدما فقد يضعف تأييد الأسد بين أعضاء وفد الحكومة.

لكن وحدة المعارضة لا تقل هشاشة في أحسن التقديرات وستتعرض لامتحان صعب إذا طالت المحادثات دون نتيجة. ولا يمكن أيضا اعتبار استمرار القبول بالمفاوضات الذي أبدته بعض جماعات المقاتلين في سوريا أمرا مفروغا منه كما يرفضها المقاتلون المرتبطون بالقاعدة رفضا قاطعا.

إدارة المرحلة

على أي حال جلس الوفدان في صمت على الضلعين المتقابلين من مائدة على شكل مستطيل ينقصه ضلع بينما مضى الابراهيمي يعرض جدول الأعمال الذي أعده. وعندما تحدث رئيسا الوفدين كان حديثهما موجها الى الابراهيمي لا الى الطرف الاخر.

وتهدف تلك الطريقة المجهدة في إدارة هذه المرحلة من المفاوضات الى تقليل الاحتكاك الى أدنى قدر ممكن والحد من التعبير عن الكراهية المتبادلة وتأتي في إطار الجهود الدبلوماسية الدقيقة للحفاظ على استمرار الجانبين في المحادثات.

وقال دبلوماسي غربي بعد أول لقاء مباشر يعقده الجانبان في المقر الأوروبي للامم المتحدة “هذه هي طبيعة الوضع الذي يمكن أن يتعثر أو ينفجر في أي يوم.”

وأضاف في دعابة لا تخلو من جد ان القاعة التي يضمها جزء معزول من مجمع الامم المتحدة الكبير اختيرت خصيصا لصعوبة الوصول اليها ووقوعها خارج النطاق المتاح لحركة الصحفيين والدبلوماسيين وأي أشكال أخرى من التدخل.

ويلتقي ممثلون للدول الغربية وغيرها من الدول التي تدعم المعارضة مع رئيس وفدها كل مساء لمناقشة استراتيجية التفاوض وتهدئة الاعصاب لكن دبلوماسيين قالوا إنهم يتطلعون الى روسيا حليف الأسد الاساسي كي تمارس ضغوطا على وفد الحكومة حتى يقبل السماح بتوصيل المساعدات الى حمص. ومن بين المقترحات الأخرى وقف اطلاق النار على النطاق المحلي في بعض المناطق وتبادل المحتجزين.

وقال المصدر الدبلوماسي “هم (الروس) يريدون أن تنجح هذه العملية لكن هذا سيكون اختبارا لمدى ما يتمتعون به حقا من نفوذ على النظام.”

الرجوع عن الحافة

يدرك الابراهيمي الصعوبات الهائلة التي تكتنف ايجاد نقاط اتفاق سياسية في غمرة حرب اهلية ومن ثم فقد تفادى الدخول مباشرة في أشد القضايا اثارة للخلاف وهي مستقبل الاسد.

ولم يبد الابراهيمي (80 عاما) وهو دبلوماسي مخضرم متمرس في تسوية الصراعات استعجالا في اي وقت من الأوقات. وقال للصحفيين “لم أقل إن السير البطيء شيء عظيم. إنما أقول إنه ينبغي توخي الحرص فلا يمكن الجري قبل تعلم المشي.”

ويبدو ان استراتيجية الابراهيمي نجحت بالفعل في إلزام الجانبين باستمرار المفاوضات بعد أيام فحسب من وصولهما الى حافة الهاوية.

فقد هدد كل من الجانبين يوم الجمعة بالانسحاب – إذ رفض وفد المعارضة التفاوض قبل ان توافق الحكومة على اتفاق جنيف لعام 2012 بينما حذر وفد الحكومة من العودة الى دمشق اذا لم تبدأ المحادثات في اليوم التالي.

وتراجعت هذه التهديدات وحل محلها استعداد مشروط لتناول القضايا السياسية التي قال الابراهيمي انها جوهر العملية برغم ان هذا الاستعداد ينطلق عند كل من الجانبين من منطلق مختلف تماما ويشوبه تبادل علني للتصريحات الحادة.

وقال الوسيط الدولي المخضرم “يسعدني وجود احترام متبادل على وجه العموم وادراك الجانبين للاهمية البالغة لهذه المحاولة وضرورة استمرارها.”

الجلوس مع العدو

لم يكن الجلوس مع الخصوم في قاعة واحدة أمرا سهلا. فلم يكلف أعضاء كل من الوفدين أنفسهم جهد اخفاء ازدرائهم لخصومهم.

ويقول هيثم المالح (83 عاما) عضو وفد المعارضة إن اخر مرة نظر فيها عبر مائدة إلى ممثل لحكومة الأسد كانت أثناء استجوابه. وكان المالح وهو قاض سابق قضى عشر سنوات على وجه الاجمال في السجن بتهم من بينها “اضعاف المعنويات الوطنية”.

وقال المالح إنه ظل ينظر إلى اعضاء وفد الحكومة واحدا واحدا مضيفا “قضيت وقتا طويلا في السجن ورأيت هذا النظام يقتل أبناء شعبه ويعذبهم وما زلت لا أفهم كيف يمكن لأحد أن يدافع عنه.”

وفي الافتتاح الرسمي للمحادثات يوم الجمعة حملت الناشطتان ريما فليحان وسهير الأتاسي صور عبد العزيز الخير وهو معارض مخضرم خطف في دمشق قبل عامين ولا يعرف مصيره.

وقالت فليحان “ينبغي على الاقل ان يشعر النظام بالخجل.”

وبالنسبة لوفد الحكومة كان الجلوس لاجراء محادثات مع أشخاص يتهمهم بالتحريض على العنف وسفك الدماء يمثل تحديا كبيرا ايضا.

وقالت المستشارة الرئاسية بثينة شعبان لدى وصولها لحضور المحادثات في صباح أحد الايام “نحن نجلس الى المائدة لأننا نحب بلدنا.”

وأضافت “نحن هنا لاننا لا نريد أن نترك بابا لم نطرقه لمساعدة شعبنا ووضع حد لهذا الارهاب ووضع نهاية لهذه الحرب المروعة.”

وطلب منها أن تصف الأجواء في الاجتماع الأول فقالت “لا توتر. محادثات هادئة ومنطقية.”

ووصف الابراهيمي ما دار في الجلسات الأولى بأنه مناقشة متحضرة و”بداية جيدة” وهو وصف أيده دبلوماسيون وصفوا المحادثات بأنها خلت من أي مناقشات حادة.

ويأمل داعمو المعارضة الغربيون والخليجيون أن يفضي استمرار المحادثات فترة طويلة -ولا سيما اذا بدأت تؤتي ثمارا- إلى زيادة فرص فوز المعارضة بتأييد المقاتلين الذين ما زالوا يتشككون في المحادثات أو يعادونها صراحة ولا يدينون بأي ولاء للمعارضين السياسيين في الخارج.

لكن المعارضة تدرك أن هذه الاستراتيجية قد تأتي بنتائج عكسية وأن استطالة المحادثات إنما قد يزيد عداء المقاتلين في الداخل والمدنيين السوريين ومن ثم أبلغت الغرب بأنها لن تقبل الاستمرار في عملية تتسم بالركود على غرار المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية المستمرة منذ عقود.

ومع ذلك فلا يكاد أحد في جنيف يتطلع بناظريه في الوقت الراهن الى ما وراء الايام القليلة المقبلة. وقال الدبلوماسي الغربي “لا أستطيع توقع ما سيفضي اليه هذا. لكن كثيرا من الناس قالوا ان هذا سينهار في اول يوم. ولم يحدث ذلك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث