الانقسامات تعرقل جهود الاغاثة بسوريا

ربع مليون سوري يعيشون تحت حصار البرد القارس

الانقسامات تعرقل جهود الاغاثة بسوريا

جنيف – لا يستغرق الأمر سوى 15 دقيقة بالسيارة للذهاب من الفندق الفاخر الذي يقيم فيه عاملو الإغاثة التابعون للأمم المتحدة في دمشق إلى الضواحي الخاضعة لسيطرة المعارضة حيث يتجمد الأطفال فيها من شدة البرد ويموتون جوعاً.

وعلى مدى أشهر ترسل الأمم المتحدة وبعض المنظمات الأخرى قوافل لتوفير الغذاء والرعاية الطبية لسكان هذه المناطق بعد أن حالت دونها الحكومة السورية المتهمة باستخدام الجوع سلاحاً في حربها ضد الشعب.

نداء من أجل الإغاثة

وبينما تعتزم الأمم المتحدة الإثنين توجيه ندائها السنوي لجمع أموال من أجل إغاثة أكثر من تسعة ملايين سوري يحتاجون إلى المساعدة، إلا أن الإنقسامات بين القوى العالمية التي عرقلت عملية السلام تحول أيضاً دون قدرة موظفي الأمم المتحدة على تحدي مسؤولي الرئيس بشار الأسد ودخول الأحياء الخاضعة للحصار حالياً.

وقال بن باركر الذي تولى إدارة مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا لمدة سنة حتى شباط / فبراير “في المناطق التي تخضع لسيطرة الحكومة في سوريا يجب التفاوض بخصوص نوع المساعدات ووجهتها ومتلقيها بل واختيار العاملين وفي بعض الأحيان يتم إملاؤها.”

وكتب باركر الشهر الماضي في مجلة هيومانتاريان اكستشينج “طبقاً للموقف الرسمي للحكومة السورية يسمح بدخول المنظمات والإمدادات الإنسانية إلى أي مكان حتى وإن كان على أحد الجبهات الأمامية.”

وأضاف “لكن كل إجراء يتطلب إذناً يستغرق وقتاً طويلاً وتتيح في الواقع عدة فرص للرفض”، ولا شك أن الاشتباكات وجماعات المعارضة المسلحة تشكل عقبات أخرى.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو ربع مليون سوري يعيشون تحت الحصار في ظل برد الشتاء القارس، إذ تحاصر القوات الحكومية معظمهم، فيما تحاصر قوات المعارضة 45 ألفا في بلدتين شمال البلاد.

ولعل صدور قرار ملزم من مجلس الأمن الدولي، قد يجبر السلطات رسمياً على السماح لمنظمات الإغاثة بدخول مناطق مثل ضواحي دمشق ومدينة حمص القديمة التي يقول فيها أطباء محليون إن هناك أطفالاً يموتون بسبب سوء التغذية. غير أن الإنقسامات بين القوى الغربية المؤيدة للمعارضة المسلحة من جهة وروسيا من جهة أخرى، تصيب المنظمة الدولية بالجمود تجاه الأزمة السورية منذ تفجر الصراع في عام 2011.

ونتيجة لذلك باتت المنظمات الدولية ملزمة قانوناً بالعمل مع الحكومة التي يقول موظفو الإغاثة إنها تلجأ للتهديد لإسكات الانتقادات الموجهة إليها وإفشال المحاولات الرامية لكسر الحصار كأن تهدد، على سبيل المثال، بعدم إصدار تأشيرات للموظفين الأجانب أو عرقلة الجهود الرامية لمساعدة ملايين الأشخاص خارج المناطق المحاصرة.

وقال دبلوماسي غربي معني بقضايا الإغاثة “هذا عيب جوهري في النظام الدولي أن يجيز لدولة مارقة احتجاز شعبها رهينة.”

وأضاف أن “بوسع سوريا عرقلة وصول (عمال الإغاثة) إلى السكان بأن تقول: الملايين سيتضورون جوعاً إذا لم يتم اتباع تعليماتي”، وأضافت “والحقيقة هي أن هناك خطراً بمواجهة الرفض. وفي نهاية المطاف ينبغي عليك أن تراعي الالتزام الأخلاقي بخدمة أكبر عدد ممكن من المحتاجين”.

ويقول باركر موظف الأمم المتحدة السابق في سوريا، إن حكومة الأسد تعتبر عمليات الإغاثة مثل “حصان طروادة الهدف منها نزع شرعية الدولة وإقامة اتصالات مع المعارضة وكسب التأييد الدولي للتدخل العسكري.”

وذكرت وثيقة داخلية للأمم المتحدة اطلعت عليها رويترز الشهر الماضي، أن احتمالات رفض أو تجميد طلبات استصدار التأشيرات للموظفين الدوليين في عام 2013 كانت أكثر من احتمالات الموافقة عليها.

ووصفت الوثيقة البيروقراطية السورية بأنها تعيق العمليات مثلما تعرقلها الصعوبات الناجمة عن القتال وغياب التعاون من عدة جماعات معارضة معظمها متناحرة.

وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر الشهر الماضي، إن الجانبين حالا دون وصول مساعدات طبية إلى المرضى والجرحى.

وقال بيتر ماورر رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر “ما نجحنا فيه بصفة خاصة هو زيادة أنشطتنا الطبية في سوريا وإن ظلت دون تطلعاتنا.”

وأضاف “نواجه صعوبة مع الجانبين بسبب تفسير أي مساعدات طبية تقدم لمنطقة أو أخرى على أنها دعم عسكري غير مباشر للجانب الآخر.”

معاناة بسبب قلة المساعدات

ويقول السوريون المقيمون في مناطق تعاني من قلة المساعدات أو إنعدامها، إنهم يشعرون بالتجاهل ويحملون القوى العالمية المسؤولية ليس فقط عن إطالة أمد الحرب، التي أودت بحياة أكثر من 100 ألف شخص من خلال دعم طرفي الصراع، بل كذلك عن عدم تخفيف آثارها على المدنيين.

يقول أحد نشطاء المعارضة في دمشق عرف نفسه باسم طارق الدمشقي ويعمل في مستشفى ميداني بالضواحي الشرقية المحاصرة للعاصمة، إنه لم يرى أي إمدادات طبية أو غذائية من الأمم المتحدة منذ أكثر من عام.

وأضاف “يجب على الأمم المتحدة أن تفعل شيئاً لإنقاذ المدنيين… ينبغي عليهم إجبار النظام على إنهاء الحصار.”

وأشار إلى أن بعض الأدوية يتم تهريبها إلى المنطقة ولكن المستشفى يعاني من نقص شديد في الإمدادات.

ويصعب التحقق من الإمدادات الغذائية والطبية في مناطق كثيرة بسبب عدم السماح بدخول المنظمات المستقلة. لكن نشطاء من المعارضة نشروا تسجيلاً مصوراً لجثث أطفال يقول أطباء محليون إنهم ماتوا جراء سوء التغذية.

ضحايا الظروف الصعبة … المعضمية

وفي أيلول / سبتمبر، نشر تسجيل مصور لجثة الطفلة رنا عبيد البالغة من العمر عاماً واحداً وهي جاحظة العينين ومنتفخة البطن، وصاحب التسجيل بيانات من أطباء يقولون إنها سادس طفلة تموت بسبب سوء التغذية في المعضمية التي لا تبعد سوى ربع ساعة بالسيارة عن فندق فور سيزونز بدمشق.

وعلى نطاق أوسع، باتت هناك صعوبة في تقديم المساعدات عبر مجموعة من الخطوط الأمامية في سوريا. وتقول الأمم المتحدة إن 2.3 مليون لاجئ من بين السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة فروا من البلاد لتمتد مأساة الحرب إلى دول مجاورة بينما يحتاج 9.3 مليون شخص للمساعدة داخل سوريا، ومن بين هؤلاء مليونا شخص يقيمون في مناطق يصعب الوصول إليها.

ولم يحقق نداء الأمم المتحدة هذا العام لجمع 1.41 مليار دولار لتمويل أعمال الإغاثة في سوريا إلا 62 % من المبلغ المستهدف. وتعتزم منسقة الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة فاليري آموس توجيه نداء بجمع أموال لعام 2014 الإثنين ويحتمل أن تسعى لجمع المزيد.

وتقول وثيقة الأمم المتحدة الصادرة الشهر الماضي واطلعت عليها رويترز، إن 12 عاملاً تابعاً للأمم المتحدة و32 من موظفي أو متطوعي الهلال الأحمر العربي السوري لقوا حتفهم، فيما لا يزال 21 من موظفي المنظمة الدولية قيد الاحتجاز. ولم تحدد الوثيقة الجماعات التي تحتجزهم.

وقبل الحرب كانت سوريا تشهد تزايداً كبيراً في السكان مما جعل نصف المحتاجين فيها الآن من الأطفال.

وقالت ماريا كاليفيس مديرة منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) للشرق الأوسط وشمال إفريقيا “سيأتي الوقت الذي سيفوت فيه أوان أي مساعدات مهما كانت وتصبح فيه جراح الأطفال عميقة للغاية إلى حد يتعذر معه علاجها”.

ولم تستطع الأمم المتحدة توصيل الإمدادات الغذائية إلى 600 ألف شخص من بين المستهدفين شهرياً وعددهم أربعة ملايين شخص.

وتقول منظمة الصحة العالمية، إن هناك 36 من بين 91 مستشفى حكومياً في سوريا لا تعمل، كما تضررت 22 مستشفى، بينما تعرض نحو نصف سيارات الإسعاف البالغ عددها 658 سيارة للسرقة أو الحرق أو تعرضت لأضرار بالغة.

وأضافت المنظمة، أن صناعة الأدوية المحلية التي كانت تتركز إلى حد كبير في بعض المناطق الأكثر تضرراً من القتال انهارت في آب / أغسطس 2012 مما تسبب في توقف الإنتاج تقريباً. وتقول جماعات حقوقية إن القوات الجوية السورية تعمدت قصف المستشفيات.

أطفال سوريا يستغيثون

وقالت المنظمة الشهر الماضي، إن شلل الأطفال انتشر من مدينة دير الزور في شرق البلاد إلى مدينة حلب وفي محيط دمشق. وهذا هو أول تفش للمرض في سوريا منذ عام 1999.

ويتعين على منظمة الصحة العالمية، العمل من خلال الحكومة بالسعي لأن تشمل حملة التطعيم إلى جميع المناطق، رغم أن المنظمة تقول إن حملتها وصلت إلى 600 ألف شخص في مناطق الصراع. وهو ما أكدته ممثلة منظمة الصحة العالمية في سوريا اليزابيث هوف بالقول، “يجب مواصلة الضغط”.

وانتقد الباحثان المتخصصان في شؤون الصحة العامة فؤاد فؤاد وآدم كوتس، المقيمان في لبنان طريقة الاستجابة المحلية والدولية.

وقال كوتس، “ظهور شلل الأطفال وتفشيه في سوريا، يمثل تحدياً كبيراً، إذ أن شلل الأطفال يعد أكثر من كونه مجرد تعطل لنظام الصحة العامة في وقت الصراع.”

وأضاف “انه دلالة على استجابة إنسانية أهملت فيها الصحة العامة وما زالت تعاني من نقص التمويل وسوء التنسيق.”

وقال فؤاد، إن ما يزيد على 70 % من الكوادر الطبية غادرت سوريا بسبب الأزمة، وليست هناك بيانات تجمع عن الصحة النفسية داخل سوريا. وذكرت هوف من منظمة الصحة العالمية أن رعاية الصحة النفسية مجال مهمل ويمثل تحدياً رهيباً.

وفي حلب التي كانت كُبرى المدن السورية من حيث عدد السكان، قال فؤاد إنه لم يجر أحد جراحة في القلب منذ أكثر من عام. وأضاف “هذه ليست أزمة جديدة. وذاك ليس الصراع الأول… يجب على الأمم المتحدة أن تعمل بشكل أفضل.”

وقالت بيجي هيكس مديرة قسم الدعم العالمي لحقوق الإنسان في منظمة هيومن رايتس ووتش، إن جهود الأمم المتحدة أحرزت مؤخراً بعض التقدم في تذليل عقبات بيروقراطية تحول دون توصيل المساعدات.

وفي الثاني من تشرين الأول / أكتوبر، حث مجلس الأمن الدولي الحكومة السورية في بيان، على السماح بتوصيل المساعدات عبر الحدود بشكل فوري. وقال مسؤولون معنيون بالإغاثة في الأمم المتحدة إن إمكانية التوصيل تحسنت إلى حد ما بعد ذلك.

وقالت آموس منسقة الشؤون الإنسانية بالأمم المتحدة في وقت سابق، إن هناك “تقدماً طفيفاً” مع دمشق بما في ذلك إصدار 50 تأشيرة لموظفين دوليين، والسماح بتأسيس مراكز إغاثة لتخزين الإمدادات وتوزيعها. غير أن قوافل الأمم المتحدة القادمة من تركيا مازالت محظورة وما زالت المناطق المحاصرة مغلقة.

وأعلنت الأمم المتحدة الأسبوع الماضي، أن دمشق وافقت على نقل أول شحنة جوية من العراق إلى سوريا لإمداد المنطقة ذات الأغلبية الكردية في شمال شرق البلاد رغم أن الثلوج ما زالت تتسبب في تأجيل بدء الرحلات الجوية.

وجاءت هذه الانفراجة بعد محادثات سرية رأستها آموس مع دول من بينها إيران وروسيا حليفتا سوريا.

وقالت هيكس من هيومن رايتس ووتش إنه يجب بذل المزيد من الجهد لدفع القوى العالمية إلى المطالبة بدخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا.

وأضافت “دائما ما يكون هناك مجال لتدخل أكثر وضوحاً… أعتقد أن هناك مساحة أكبر للتحرك والضغط على مجلس الأمن حتى يترجموا أقوالهم إلى أفعال.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث