روسيا تخشى عودة المجاهدين من سوريا

روسيا تخشى عودة المجاهدين من سوريا

موسكو- أصبح صبي هزيل في الخامسة عشرة من عمره هذا الصيف أول من يلقى حتفه من أبناء قريته التي يغلب على سكانها المسلمون في منطقة داغستان بجنوب روسيا أثناء قتاله في صفوف المعارضة في سوريا.

يعتبره البعض شهيداً لانضمامه للمعارضة في معركتها ضد الرئيس السوري بشار الأسد الذي تدعمه روسيا.

لكن موسكو تخشى عودة مئات المتشددين روسيي المولد تقول إنهم يقاتلون في سوريا بعد أن يكتسبوا خبرة عسكرية لينضموا إلى حركة تمرد الذين يقاتلون في داغستان ومناطق أخرى في شمال القوقاز من أجل إقامة دولة إسلامية.

أعمال العنف في المنطقة تزهق الأرواح بشكل شبه يومي. ويقول سكان إن 15 رجلاً من نوفوساسيتلي وحدها قتلوا في حوادث تبادل إطلاق نار مع القوات الروسية في السنوات الأربع الماضية.

ويقول محللون إن المقاتلين قد يحاولون شن هجمات خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في شباط / فبراير العام القادم في سوتشي القريبة.

وكان الرئيس فلاديمير بوتين الذي يراهن بسمعته على الأولمبياد قد صرح بأن المتشددين العائدين من سوريا يمثلون تهديداً “حقيقيا جداً” ووقع هذا الشهر قانوناً لسجن كل من يعودون من هناك الى البلاد.

وقال بوتين في 23 أيلول / سبتمبر “الجماعات المتشددة لم تأت من فراغ ولن تختفي فجأة.”

في نوفوساسيتلي حيث تحمل الجدران عبارات تؤيد المتمردين الذين يقاتلون من أجل إقامة دولة إسلامية، يقول قرويون إن ثمانية على الأقل من السكان البالغ عددهم الفي نسمة ذهبوا إلى سوريا.

وقال أحمد خايبولاييف عضو مجلس القرية ” كتائب كاملة من أولادنا هناك.”

وأضاف أن قوات الأمن الروسية ألقت القبض على ثلاثة منهم أثناء عودتهم إلى البلاد براً اثناء عبورهم الحدود من أذربيجان عائدين إلى داغستان لكن خمسة تمكنوا من العودة مما يبرز سهولة سفر الروس إلى سوريا ومنها.

وقال خايبولاييف “إنهم في ديارهم الآن يترقبون متى ستأتي قوات الأمن لتأخذهم.”

ويحاول الآباء إثناء ابنائهم.

وقال رجل طلب عدم نشر اسمه خشية انتقام قوات الأمن الروسية “الأب أدرى بابنه قلت له أن يترك جواز سفره معي. حين رفض أخذته عنوة.”

وعلى الرغم من تحذيراته غادر ابنه البالغ من العمر 23 عاماً والذي يفتخر الأب بأنه من حفظة القرآن منذ شهرين متوجها إلى ميدان المعركة. وأضاف “لا أدرى إن كان سيعود.”

ومازال أهالي القرية يتداولون صورة أرسلها المقاتلون لجثة هزيلة تحمل ندوباً لابن قريتهم الذي لم يتجاوز عمره 15 عاماً وقتل في سوريا.

في سلسلة من التعليقات أسفل صورة الفتى على صفحة بموقع فيسبوك يوصف بالبطل والشهيد.

وقال قروي ذكر سكان أنه قاتل أيضاً في سوريا وطلب عدم نشر اسمه “ذهب إلى سوريا لأنه لم يحتمل أن يقتل الأسد وجيشه الأطفال.”

ويقول سكان إن الفتى كان قد درس في مصر قبل أن ينضم إلى متشددين آخرين روسيي المولد في سوريا ولم تعرف أسرته بأنه ذهب للقتال إلا بعد مقتله.

أما والده الذي فقد أحد ذراعيه في سوريا حين ذهب ليرى قبر إبنه فقد احتجزته قوات الأمن الروسية لفترة قصيرة في آب / آغسطس حين عاد إلى بلاده. ورفض الحديث إلى رويترز.

نشأ أبناء نوفوساسيتلي وهم يلعبون “عسكر ومتمردون” في الشوارع. وحكم روسيا للقرية ضعيف إذ يصف سكان الشرطة بأنها العدو والدولة بالفاسدة ويقولون إنهم يديرون شؤونهم بأنفسهم بالاحتكام للشريعة الإسلامية.

وكان للبعض أقارب أو زملاء دراسة أو جيران انضموا لحركة التمرد في روسيا والتي ترجع أصولها إلى الحربين الإنفصاليتين في الشيشان.

وينتمي المتشددون للتيار السلفي. ولا يتمتعون بتأييد كل السلفيين إذ يرفض البعض أساليبهم أو لا يعتبرون هجماتهم على الشرطة والمسؤولين جهاداً مشروعاً.

لكن المعركة في سوريا مختلفة إذ تعتبر على نطاق واسع في المنطقة التي يغلب عليها السنة جهاداً “حقيقياً” ضد حكومة الأسد التي يهيمن عليها العلويون.

لكن الافصاح في روسيا عن هذا التأييد لمقاتلي المعارضة السورية خطر. فقد فر إمام شاب يحظى بشعبية جمع تبرعات لمساعدة اللاجئين السوريين الفارين إلى تركيا بعد أن وقع تحت ضغط من أجهزة الأمن. وزعمت وسائل إعلام مرتبطة بالشرطة أنه يحرض الشباب على الانضمام للصراع.

وأغلقت مدرسة بنيت حديثا كان يديرها في نوفوساسيتلي وهي الآن خالية من الدارسين.

وقال عبد الرحيم ماجوميدوف (71 عاما) وهو عالم سلفي في نوفوساسيتلي “الذهاب من هنا إلى سوريا ليس فرضا على المسلمين… لكن إذا كان هناك من يريد الذهاب فلا يستطيع أحد منعه.”

تهديد لدورة الألعاب الأولمبية؟

يقول مسؤولون وسكان إن أعداد الروس الذين يذهبون من شمال القوقاز إلى سوريا زادت هذا العام بعد أن تكثفت مناشدات مقاتلي المعارضة طلبا للعون عقب هجوم بالغاز السام على ضواحي دمشق.

في حزيران / يونيو قال جهاز الأمن الاتحادي الروسي إن 200 روسي يقاتلون في صفوف جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة في سوريا. وبحلول سبتمبر أيلول قال ان هناك نحو 400 روسي في سوريا.

وقال نائب مدير الجهاز سيرجي سميرنوف في 20 أيلول / سبتمبر “سيعودون وهذا يمثل تهديداً ضخماً.”

ويقول خبراء إن تقديرات روسيا لعدد المقاتلين قد لا تكون دقيقة بسبب الأعداد الكبيرة من مواطنيها الذين يدرسون في الخارج او هاجروا إلى أوروبا والأردن وتركيا وغيرها.

واكتسب البعض مهارة وخبرة يقدرها مقاتلو المعارضة السورية بشدة من خلال القتال في حربي الشيشان من عام 1994 الى 1996 ثم في عامي 1999 و2000.

ويقول خبراء إن عدد الروس في سوريا قد يكون أعلى.

كما أغضبت مساندة روسيا للأسد عبر إمداده بالأسلحة والدعم الدبلوماسي كثيرين من بوتين.

وقال جبريل ماجوميدوف وهو واحد من نحو 24 شخصاً في نوفوساسيتلي درسوا في مدرسة دينية بدمشق “مسلمو العالم يكرهون بوتين بسبب دعمه للأسد.”

وفي هذا الصيف حث زعيم المتمردين في القوقاز الشيشاني المولد دوكو عمروف المقاتلين على استخدام “أقصى قوة” لتخريب الأولمبياد. وكرر مقاتلون في سوريا نداءه ودعوا المسلمين في شمال القوقاز إلى الجهاد في ديارهم بدلاً من الانضمام اليهم.

وشهدت روسيا هجمات نفذها متشددون في وقت ليس ببعيد. وقتلت تفجيرات انتحارية في العامين الماضيين عشرات في مطار في موسكو وقطار للأنفاق. وقتل أكثر من 380 شخصاً أغلبهم أطفال في حصار مدرسة ابتدائية في بيسلان عام 2004.

وقال مقاتل يتحدث الروسية في تسجيل فيديو على موقع يوتيوب من سوريا بتاريخ 30 تموز / يوليو وقد أحاط به سبعة مقاتلين يرتدون الملابس المموهة ومعم أسلحة آلية ثقيلة وقاذفة قنابل “يكفي شخص أو اثنان لجهاد من هذا النوع.”

وتحيط إجراءات أمنية مشددة بمدينة سوتشي التي تستضيف الأولمبياد وتتاخم منطقة شمال القوقاز.

وقال سيرجي جونتشاروف النائب السابق لرئيس وحدة مكافحة المتمردين في جهاز الأمن الاتحادي “هل تعلم أين تقع سوتشي؟ لدينا ما يكفي من متمردينا هناك.”

وأضاف “إذا وصلتهم تعزيزات من سوريا الآن فإن أجهزتنا الأمنية ستواجه صعوبة في منعهم من إفساد الأولمبياد.”

وقدم بوتين تعديلاً لقانون مكافحة الإرهاب وأقره البرلمان على عجل بعد تفجير استهدف حافلة وأسفر عن مقتل ستة أشخاص في جنوب روسيا في 21 تشرين الأول / أكتوبر لمحاسبة من يقاتلون في الخارج عند عودتهم إلى البلاد جنائياً.

وبموجب القانون فإن التدريب “بهدف ممارسة نشاط إرهابي” عقوبته السجن 10 سنوات اما عقوبة الانضمام لجماعة مسلحة في الخارج “تتعارض أهدافها مع المصالح الروسية” فهي ست سنوات.

ومنذ تولي بوتين الحكم قبل 13 عاماً وسحق حركة انفصالية شيشانية قال إنه لن يسمح بانفصال أقاليم القوقاز عن روسيا.

لكن القضية القومية التي ألهمت الشيشان لينتفضوا بعد إنهيار الاتحاد السوفيتي تحولت إلى قضية إسلامية امتدت إلى أراضي القوقاز الجبلية القريبة.

وبعد هزيمتهم في الشيشان يشن المتمردون الآن هجمات شبه يومية في الأنجوش وداغستان وكباردينو بلكاريا. واليوم تزخر صفوف المقاتلين بالشبان المحبطين بسبب وحشية الشرطة والبطالة والفساد وما يعتبرونه اضطهادا للمحافظين دينيا.

ويتعاطف الشيشان بشدة مع المسلمين السنة الذين تحاصرهم الحرب في سوريا فهم يرون أنهم يواجهون نفس المعاناة التي واجهوها في حربيهم للانفصال عن روسيا.

وقال أحمد (21 عاماً) وهو شيشاني في قرية برديكل قرب العاصمة الإقليمية جروزني “نريد أن نساعد. إنهم اخوتنا المسلمون.”

رداً على هذا حظرت السلطات الشيشانية إقامة جنازات لمن يقتلون في سوريا ويتحدث رجال الدين في المساجد والمدارس عن الحرب باعتبارها صراعاً سياسياً وليس دينيا. وأقيل وزير في الحكومة المحلية حين غادر أحد أفراد أسرته إلى سوريا وفقاً لما ذكره مصدر على علم بالواقعة.

وبث التلفزيون الشيشاني تسجيلاً لشاب عمره 26 عاماً اعتذر فيه وقال إنه ارتكب خطأ حين قاتل في سوريا وشكك في أن يكون القتال هناك جهادا حقيقيا بسبب الاقتتال بين جماعات المعارضة.

وقال وهو مطأطأ الرأس أمام الزعيم الشيشاني المدعوم من الكرملين رمضان قديروف “خفت أن أموت وأنا على الطريق غير الصحيح لهذا عدت.”

وفي منزله في برديكل قال قريب إن عائلته لا تسمح له بالعيش معها في المنزل. وقال قريب شاب “الوضع مؤلم جدا بالنسبة لنا.”

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث