مصر.. الإخوان من الحكم إلى التطرف

مصر.. الإخوان من الحكم إلى التطرف

في الإسكندرية ثاني اكبر مدينة في مصر، يعيش طالب الطب احمد نبيل في خوف من احتمال القبض عليه بصفته عضوا في جماعة الإخوان المسلمين.

وقال نبيل وهو ابن عضوين في جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها مرسي: “في هذه الأيام يمكن أن يقبض علينا في أي وقت.”

ساعد انضباط جماعة الإخوان في إطار هيكل تنظيمي هرمي في فوزها بالانتخابات بعد الانتفاضة الشعبية التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2011 وهو ما دفع بمرسي إلى سدة الرئاسة في نهاية المطاف.

لكن الحكومة الحالية وأنصارها يعتبرون الإخوان المسلمين جماعة إرهابية معادية للدولة، وتلقى قوات الشرطة الإشادة لحملتها الأمنية الواسعة على الجماعة.

وتقول جماعة الإخوان إنها تنبذ العنف وتلتزم بالاحتجاج السلمي، لكن مع اختباء أعضائها تتعرض وحداتها الأساسية المسماة بالأسر التي تضم الواحدة منها سبعة أعضاء لضغوط.

وقال نبيل: “أهم شخص بالنسبة إلي هو قائد أسرتي … أتلقى منه كل شيء.”

ويرى نبيل أن الأسر التي توفر كل شيء من دراسة القرآن إلى الاستشارات الزوجية تتداعى، وهذا يزيد خطر تفكك الجماعة وتخلى بعض أعضائها عن الأنشطة السلمية ليحملوا السلاح.

وفي علامة على تراجع جماعة الإخوان، اشترى نبيل خط هاتف محمول غير مسجل، ويكتب رسائل نصية مشفرة، ويتوخى الحذر فيما يكتبه على موقع فيسبوك، خوفا من أن تكون السلطات تراقب الاتصالات.

ويقول نبيل إن خمسة من أصدقائه قتلوا في المظاهرات، وإنه كاد أن يعتقل خلال مشاركته في الاحتجاجات، مضيفا أن الحملة الأمنية قد تدفع بعض الأعضاء إلى طريق التشدد.

وفي الشهر الحالي، قتل مسلحون يشتبه بأنهم متشددون ستة جنود مصريين قرب قناة السويس، وأطلقوا قذائف صاروخية على محطة للأقمار الصناعية بالقاهرة، وفجروا سيارة ملغومة قرب مبنى للمخابرات الحربية في مدينة الإسماعيلية، وقتل أكثر من 50 شخصا وأصيب ما يزيد عن 270 في الآونة الأخيرة في اشتباكات خلال احتجاجات لأنصار جماعة الإخوان المسلمين.

وبرغم استمرار التساؤلات عن منفذي هذه الهجمات، يبدو واضحا أن فرص تجنيد المتشددين زادت كثيرا منذ عزل مرسي.

وقال نبيل: “لن يستطيع كل من في المعارضة مواصلة المقاومة سلميا إذا استمر هذا الضغط غير المعقول وخصوصا اعتقال القيادات التي دفعت الحركة إلى أن تظل سلمية”، وكان كبار قادة الإخوان قبل سجنهم يقولون لأتباعهم إن تجنب العنف يمنح الجماعة الأفضلية الأخلاقية على الحكومة.

وأضاف: “كل هذه الأعمال العسكرية ضدنا بما في ذلك القتل والتعذيب والاعتقال تدفعنا إلى الرد بالقوة أدعو الله أن ينهي هذه الأزمة قبل أن نصل إلى وضع سوريا”، قائلا: “كما قال مرشدنا سلميتنا أقوى من الرصاص”.

ولا تميز الحكومة بين جماعة الإخوان والمتشددين الذين يتبنون فكر القاعدة في سيناء، والذين زادوا هجماتهم بشدة منذ عزل مرسي، وتقول السلطات إن الإخوان المسلمين إرهابيون يعملون إلى إقامة خلافة إسلامية في المنطقة، ولا يبالون بخير مصر ورخائها.

وقال مسؤول أمني كبير يتابع جماعة الإخوان منذ عشرات السنين: “الأسرة دمرت إلى حد بعيد، فعضو الإخوان يلقن ألا يفكر لنفسه بل يتلقى الأوامر فحسب، هذه هي الطريقة التي تعمل بها الجماعة, لهذا إذا لم يكن هناك من يعطيهم الأوامر فهذا يعني أن الجماعة في مأزق”.

أسرة الزنزانة

أنشأ حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين نظام الأسرة لتربية الأتباع وحشدهم، وتجتمع الأسرة عادة مرة أسبوعيا لثلاث ساعات على الأقل، ويكون اللقاء عادة في منزل أحد الأعضاء، ولقائد الأسرة دور محوري، إلى حد أن الأعضاء يستأذنوه في السفر من مدينة إلى أخرى.

وخلال حملات سابقة كانت الأسر تستمر من خلال التكيف، ويقلص حجمها إلى ثلاثة أعضاء عندما تشتد القيود، وكانت هذه الوحدات الصغيرة تتفادى الاعتقال بالحديث أثناء السير في الشوارع أو اللقاء في المقاهي وليس المنازل، وفي السجن تصبح الأسرة هي المحبوسين في زنزانة واحدة أيا كان عددهم.

وردت قوات الأمن بقوة على احتجاجات الإخوان بعد سقوط مرسي، ففضت اعتصاما لأنصاره في منطقة رابعة العدوية بشرق القاهرة في 14 آب/ أغسطس الماضي، وقتل المئات منهم، وقبضت قوات الأمن على كثير من قياداتهم وأحيل كثير منها للمحاكمة ومن بينهم مرسي بتهمة التحريض على العنف أو ممارسته.

ويقول قائد أسرة وأعضاء آخرون بالجماعة إنه قبل القبض على القادة بعثوا برسائل لمسؤولي الإخوان حثوهم فيها على ضمان استمرار الأسر، لكن الأعضاء يجدون صعوبة في ذلك.

البحث عن نفوذ

في الإسكندرية يقود أبو بكر المصري أسرة ويصلي في مسجد صغير أسفل احد المباني السكنية يسمى زاوية، وقد استخدمت الجماعة مثل هذه الزوايا في الأحياء الفقيرة في شتى أنحاء البلاد على مدى عشرات السنين لتعميق نفوذها وجمع المال.

ولم تجتمع الأسرة التي يقودها المصري منذ سقوط مرسي، وهو يفخر بموقعه لكن يقلقه أنه لم يعد بوسعه إرشاد الشباب.

وقال في شقته القريبة من الزاوية: “كنت أنصح الناس في كل شيء حتى من عنده مشكلة مع زوجته كان يأتيني”، وأضاف: “الأسرة تتعرض لضغط شديد الآن أتحدث مع أعضاء الأسرة هاتفيا لكن الحديث يكون دائما قصيرا ولا تتاح لنا الفرصة أبدا للحديث في أمور مهمة”.

وللنساء أسرهن، وترأس أم عبد الله زوجة المصري واحدة منها، ولم تجتمع أسرتها أيضا منذ تموز/ يوليو، كما أنها عضو في أسرة أخرى كفت عن الاجتماع أيضا.

وقالت أم عبد الله: “أجلس هنا ولا أفعل شيئا”، شاكية من عزلة الإخوان المسلمين، وكانت أم عبد الله مكلفة بنشر رؤية جماعة الإخوان لنمط حياة الأسرة المسلمة، ولا مجال لذلك الآن، وقالت: “كنت أخرج إلى الشوارع وأتحدث مع النساء الأخريات عن رؤيتنا وعن الأسرة المسلمة الحقة… الآن لا أستطيع إلا التجول في عمارتنا والحديث مع جاراتي.”

تراجع الشعبية

ولا خيارات تذكر لجماعة الإخوان الآن، فقد انقلب كثير من المصريين عليها خلال حكم مرسي الذي اتهم بالاستئثار بسلطات كاسحة والتمكين للإخوان في مؤسسات الدولة وإساءة إدارة الاقتصاد، فيما تنفي الجماعة هذه الاتهامات.

وأعلن الفريق أول عبد الفتاح السيسي القائد العام للقوات المسلحة خارطة طريق للانتقال السياسي، تعد بإجراء انتخابات جديد، وتشمل الخطة تعديل الدستور الذي وضعته لجنة يهيمن عليها الإخوان، وقد تكون المادة الأكثر إثارة للخلاف في الدستور الجديد هي تلك التي تحظر إنشاء الأحزاب على أساس ديني.

وترفض جماعة الإخوان المشاركة في العملية الانتقالية ويتراجع أنصارها، وفي منطقة سكنية في الإسكندرية بها تجمع متماسك من العائلات الإخوانية، فرت أربع أسر خشية الاعتقال، بعد أن بدأت قوات الأمن عمليات تفتيش ليلية للمباني السكنية، حسبما ذكر بعض أنصار الإخوان في المنطقة.

خطر التطرف

في مكتب احمد فهيم، وهو محام بالإسكندرية يدافع عن أعضاء الجماعة، توجد صورة لزعيم سابق لحركة حماس المنبثقة من جماعة الإخوان المسلمين، إنها علامة صغيرة على التحدي الذي يبديه فهيم.

يبدأ يومه عادة بمشية قصيرة إلى المحكمة التي يعتقد أنها تعامل الإخوان معاملة جائرة، ويتساءل: “لماذا تسمح السلطات للمتهمين في القضايا الجنائية الحضور إلى المحكمة بينما يعتبر المقبوض عليهم من جماعة الإخوان خطرا أمنيا ولا تعقد جلسات نظر قضاياهم إلا في السجن”.

وقال مسؤول في وزارة العدل إن قوات الأمن تنصح الوزارة بأن نقل أعضاء الإخوان إلى المحكمة يمثل خطرا أمنيا، لاحتمال احتشاد المحتجين، وغير ذلك من المشاكل.

ويشير فهيم إلى أن كل الظواهر المحيطة تذكر بسقوط الإخوان المدوي من السلطة، في الشارع يبيع فتى صورا للفريق السيسي وزعماء دول الخليج التي أمدت مصر بمليارات الدولارات بعد سقوط مرسي، وعند المحكمة علقت على شاحنة للشرطة صورة للسيسي بجوار صورة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

ويبدو فهيم مستسلما لفكرة أن الإخوان سيمرون بفترة عصيبة، وقال: “كنا نعلم من البداية أن طريقنا لن يكون مفروشا بالورد وإنما بالشوك”، وهو لم يعد يعتقد أن من الواقعي المطالبة بعودة مرسي.

ويخشى على مصير نظام الأسرة، ومن احتمال أن يلجأ الإخوان المسلمون إلى حمل السلاح، وقال: “لن يستطيع الناس السيطرة على أنفسهم”، برغم أنه يدعو إلى ضبط النفس.

ومثل فهيم يخشى بعض الخبراء من خارج الجماعة أن تؤدي الحملة إلى نتائج عكسية، وقال خليل العناني كبير الباحثين في معهد الشرق الأوسط في واشنطن: “اجتماع الأسرة الأسبوعي أداة مهمة جدا لتشكيل عقول أعضاء الإخوان وسلوكهم البديل قد يكون طريق التطرف.”

وأضاف: “قد يؤدي هذا إلى تكرار ما حدث في الخمسينات والستينات حين قطعت الحكومة الصلات بين القيادة والقواعد وهو ما أدى في النهاية إلى انحراف الشباب وتكوين جماعات تستخدم العنف.”

في البداية كان نبيل طالب الطب بالإسكندرية متفائلا بخصوص إمكان عودة الإخوان للحكم، وأمضى وقتا طويلا يقرأ تعليقات المسؤولين في جماعة الإخوان عن الانقلابات العسكرية التي فشلت في نهاية المطاف.

واهتم على وجه الخصوص بالقراءة عن الجزائر، و قرار الجيش فيها إلغاء نتيجة انتخابات عام 1990 التي فاز بها الإسلاميون، ما دفع البلاد إلى هاوية حرب أهلية قتل فيها ما لا يقل عن 150 ألف شخص.

لكن نبيل فقد تفاؤله شيئا فشيئا، وبعد إلقاء القبض على قيادات الإخوان وفرار مسؤول أسرته، لا يجد نبيل من يساعده على تجاوز هذا الوقت العصيب، وخوفا من التعرض للاعتقال اضطر الإسلاميون لتقليل احتجاجاتهم، وحفاظا على السرية لا يعرف بمواقع التظاهر مسبقا إلا قلة، وفي بعض الأحيان تعلن مواقع زائفة من خلال موقع فيسبوك لإرباك السلطات.

ويقول نبيل إنه إذا قابل قائد أسرته بالصدفة خلال احتجاج لا يكون هناك وقت للحديث، وكثيرا ما تختصر المظاهرات تجنبا للاشتباك مع قوات الأمن التي قد يبلغها بها وشاة.

ويقول متظاهرون إن البلطجية عادة ما يهاجمون المظاهرات من الخلف باستخدام كل شيء من الحجارة إلى السيوف والمسدسات، وأشار نبيل إلى أعلام مصر التي يرفعها أعضاء الإخوان، وقال: “هذه الأعلام لها في واقع الأمر غرض آخر، حين نهاجم يقلبها من يحملونها ويستخدمونها عصيا للدفاع عن المحتجين”.

ولا يستطيع نبيل التعويل على الدعم الشعبي، كما كان الإخوان يفعلون في وقت من الأوقات، فقد نظر هو وصديق له إلى شرفات المباني المحيطة ليجد الناس يسبونهم ويلقون المياه عليهم، وقال: “كل أسبوع نحصي أعداد من هم ضدنا.”

ويشبه أعضاء الإخوان الحملة الحالية بحملة عبد الناصر عليهم في الخمسينات والستينات.

أسوأ حملة أمنية

في الإسكندرية يتذكر عبد اللطيف محمد، الذي لم يعد يقوى على السجود لتقدمه في السن، كيف كان سجانوه يجلدونه على قدميه، ثم يطلقون الكلاب عليه، خلال حملة عبد الناصر على الجماعة، ويذكر أيضا إلقاء القبض على 15 ألف شخص في ليلة واحدة، لكن محمد يرى أن الوضع الراهن أسوأ.

وامتنع المتحدثون باسم الحكومة عن التعليق على نطاق الحملة، لكن مسؤولا أمنيا كبيرا قال: “هذه الجماعة يجب وقفها إنهم إرهابيون لهم أجندة دولية ولا يكترثون لأمر مصر”.

حتى المحامين الذين يدافعون عن أعضاء الإخوان يقولون إنهم لا يشعرون بالأمان ويتنقلون من منزل إلى آخر لتجنب الاعتقال، وكان خلف بيومي وهو محام بارز من جماعة الأخوان بالإسكندرية توقع في آب/ أغسطس بأن يقبض عليه، وهو الآن محتجز مع إسلاميين آخرين في سجن برج العرب على مشارف الإسكندرية.

ويقول زوار للسجن إن الزنزانة التي تتسع لعشرة سجناء يقيم فيها 35 من أنصار مرسي، فيما تحرس دبابات الجيش السجن.

وقال بيومي قبل سجنه إن: “على جماعة الإخوان كي تستمر الحفاظ على نظام الأسر لأنها إن فقدته سقطت”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث