عن عاطف الفراية الذي صعد

عن عاطف الفراية الذي صعد

عن عاطف الفراية الذي صعد

محمد سناجلة

 

صعد عاطف..هكذا فجأة ودون مقدمات، لم يقل إنه سيرحل، لم يوضب شنطة، ولم يودع صديقا تركه معلقا على حافة الوقت..فقط صعد دون كلمات كثيرة.

 

كم سهل هذا السيد الموت، كم هو بسيط وتافه وبلا معنى…

 

مات عاطف غريبا كما عاش غريبا بعد أن ضاقت به البلاد فلم تحتمل ضحكته الصاخبة وعشقه الأزلي للحياة، لم تحتمل البلاد دفء قلبه ورغبته التي لا تنتهي في التواصل والحديث عن أي شيء وحول كل شيء..وكيف تحتمل بلاد “الشداد الغلاظ” رقة قلبه وعشقه للناس كل الناس.

 

حين كنا نلتقي كان يقبل علي بشغف، ويواصل من حيث انتهينا حديثنا السابق الذي كان قد مضى عليه أكثر من عام.. لم يكن ينسى كما كنا.. ولم يكن يتركنا إلا بعد أن يطمئن على كل أخبارنا مع دعوة أكيدة مؤكدة لتناول منسف كركي من بين يدي أمل في بيته الصغير في الشارقة.

 

الدعوة كانت مفتوحة أبدا ونحن “الشداد الغلاظ”* لم نلبها أبدا.. تأخذنا الحياة الشقية في بلاد الحر والرمل والصحراء الممتدة الى ما لا نهاية فنتوه وننسى أصدقاءنا… عاطف على عكسنا جميعا لم يكن ينسى ولم تشغله رمال الصحارى عن أصدقائه، فجأة تجد الهاتف يرن و…وينك يا محمد..اشتقنالك…ومحمد الغارق في الحر والرمل لا يحير جوابا..

 

مت غريبا يا رفيق..ولم يكن حولك أحد…

 

هناك.. بعيدا.. في البلاد التي تلفظ أبناءها وترميهم على حواف الرمل كأنهم أولاد حرام..هناك لم يأخذك أحد بجدية، تماما كما هي عادتها، بلاد تسخر من أجمل ما فيها وتطردهم من جنتها التي تحتفظ بها لشذاذ الآفاق وقطاع الطرق..وخرجت منها..كما خرجنا، وها أنت تعود وحيدا في كفن تماما كما أرادتك البلاد.

 

لكن.. قسما بعينيك اللتين أغمضتا..قسما بروحك التي صعدت لباريها..قسمك بعشقك للبلاد التي سكنتك ولم تسكنها..إنا…

 

**نحب البلاد

كما لا يحب

البلاد أحد

نحج إليها

مع المفردين

عند الصباح

وبعد المساء

ويوم الأحد

 

ولو قتلونا

كما قتلونا

ولو شردونا

كما شرّدونا

ولو أبعدونا

لبرك الغماد

لعدنا غزاة

لهذا البلد

—————————————–

*الشداد الغلاظ تعبير للأديبة الأردنية جواهر الرفايعة

** الشاعر التونسي الصغير ولاد أحمد

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث