“الجزيرة” تقاضي السلطات المصرية

"الجزيرة" تقاضي السلطات المصرية

“الجزيرة” تقاضي السلطات المصرية

أبو ظبي ـ (خاص) من ابراهيم حاج عبدي

 

لم ينجح التطور المهني والتقني الذي بلغته الفضائيات في تغيير الموقف الرسمي منها، فالسلطات العربية لا زالت تتعامل مع الفضائيات، ومع العاملين فيها، وكأنها “وليد عاق” ينبغي توجيهه وتقديم النصائح له، وتأديبه ومعاقبته على كل ما

تعتبره تجاوزا وتطاولا و”قلة أدب”.

 

هذا هو التوصيف الذي يمكن الخروج به على ضوء القضية التي باشرت قناة الجزيرة في رفعها ضد السلطات المصرية، إذ وكلت محامين دوليين من مكتب كارتر راك في لندن برفع دعوى لدى المحاكم الدولية والأمم المتحدة وغيرها من الهيئات

ذات العلاقة، من أجل حماية صحفيي الجزيرة الذين تعرضوا للمضايقات والاعتقال في الأيام والأسابيع التي تلت عزل الجيش المصري للرئيس محمد مرسي، وشملت هذه المضايقات التشويش على القناة وإغلاق مكاتبها في مصر ومصاردة

معداتها.

 

لا تحتاج الجزيرة إلى من يدافع عنها، وهاهي وكلت أشهر مكتب محاماة لهذا الغرض، ولديها من الوسائل ما يكفي لعرض قضيتها من دون أن تنتظر مقالا يدعم قضيتها في بضع كلمات. لكن ما يهم، هنا، هو المبدأ المتمثل في حق الإعلامي أن

يمارس نشاطه من دون أية مضايقات أو قيود، وهو المبدأ الذي يختزل في “حرية الرأي والتعبير”، وقد تخالف الجزيرة أو غيرها المواقف الرسمية لهذه الدولة أو تلك، بيد أن ذلك لا يشكل مبررا لإغلاق مكاتب القناة واعتقال مراسليها.

 

مثل هذه الاجراءات التعسفية كانت رائجة قبل هذا الانتشار الفضائي الواسع، إذ كانت التلفزيونات المحلية ترتب كل شيء وفقا لمزاج أنظمة الحكم، وتقدم صورة زاهية عن بلاد غارقة في التخلف والفوضى والفساد، غير أن العدسات التي خرجت

من تحت عباءة الرسمي وتمردت على الخطاب المدجّن، فضحت الزيف وراحت تقول الحقيقة عارية من دون تزيين أو رتوش.

 

بعد نحو عقدين من هذه الممارسة الفضائية الجريئة، لم يعد مقبولا أن تأتي الحكومات لتتحكم، مجددا، في الفضاء الذي بات مفتوحا أمام الجميع بحيث لا يمكن لأحد أن يحتكر الحقيقة، فصخب الواقع أقوى من الوعود الرسمية المعسولة، والمرارة

التي تعتمل في نفوس “الرعية” لا تمحى بابتسامات الزعماء والجنرالات. ثمة حرائق ودماء وقتلى وعلى الحكومات أن تخجل من كم الأفواه، وأن تعمل لأجل شعوبها بدلا من التضييق على إعلاميين ينقلون صور تلك المحن.

 

من البديهي القول إن من يملك سلطة اعتقال الصحفيين واغلاق مكاتب الفضائيات، قادر على أن يؤسس عشرات الفضائيات، وبالتالي فإن المنطق يقول إن الوقوف في وجه الخطاب الاعلامي “المتآمر والمضلل” يكون بإطلاق القنوات الفضائية

ودحض “الأكاذيب” بالاسلوب الإعلامي ذاته، لا اللجوء إلى القسر والترهيب، وبدلا من زجر “الوليد العاق” ومحاسبته ينبغي الالتفات إلى هموم الأوطان والاعتراف بالآخر وتكريس مبادئ التعدد والحوار والاختلاف، ذلك هو الطريق الوحيد الذي

قد يكف أذى “الفضائيات المارقة”، إذا كان هناك من أذى أصلا!     

    

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث