يا حبيبي….”تعال بالعجل”

يا حبيبي...."تعال بالعجل"

يا حبيبي….”تعال بالعجل”

جيهان الغرباوي

 

أجمل ما في بكين، أنها عاصمة لا تعرف الدخان.. ومدينة تضطهد الفوضى، وتتحدى الصخب وتخاصم البدانة وتتحامل على سرعة السيارات في الشوارع ولا يجد الميكروباص إليها سبيلاً!

 

مدينة فائقة النظافة، تسابق فيها أيدي الكناسين أوراق الشجر الخريفية الحمراء، التي يبعثرها الهواء أو تعبث بها الرياح فتنثرها دونما اكتراث على الأرصفة والطرقات.

 

كل شيء هنا منظم وهادئ، والقانون سيد الموقف، رغم ان  إلتزام البشر، يستحق وحده كل إحترام وإعجاب.

 

الدراجات هنا وسيلة مواصلات رئيسية، تضمن الرشاقة واللياقة وتجديد الشباب والأهم تجديد الهواء النقي، دون أن يفسده العادم أو الرصاص.

 

الجميع تقريباً لا يتورعون عن ركوب “العجل”، شباباً وشيوخاً، إلى الجامعة أو إلى المكاتب حتى الوجهاء لا يستنكفون ركوب العجل بالبدل الرسمية الأنيقة وربطات العنق!

 

ولا يعني ذلك أن باقي وسائل المواصلات قد إنقرضت من شوارع بكين.

 

فهناك الأتوبيسات العامة، ذات المظهر الجديد والألوان الجذابة، مزدحمة بالجالسين والواقفين داخلها، لكن دون إختناق أو عراك.

 

وقد تجد سائق الاتوبيس إمراة شابة، تصفف شعرها بعناية وتعقده في “شنيون” صيني أنثوي رقيق.

 

أما لو كان السائق رجلاً، فهو لن يقل وجاهة وعناية بمظهره، حيث يرتدي جاكيت بدلة “إسبور” من اللون الكحلي غالباً، ويضع فوق عينيه نظارة شمس تبدو من الأنواع الغالية أو على الأقل متقنة التقليد!

 

التاكسيات في الشوارع من اللونين البرتقالي والأخضر معاً، والسائق داخلها منظره مثير للدهشة حقاً ، حيث يبدو شبه سجين وهو محاط بساتر معدني ذو قضبان واسعة، للحماية والأمان ضد السطو المسلح، من الراكب الذي قد يجلس بجواره، أو  خلفه (حتى في الصين ولاد الحرام ما خلوش لولاد الحلال حاجة).

 

وقد سألت المترجمة الصينية التي كانت ترافقني في الرحلة عن منظر سائق التاكسي أياه وقلت لها متعجبة وبراءة الأطفال في عيني:

 

ولماذا يتوقع السائق أن يهاجم بالسلاح الأبيض، ولا يهدده الراكب المجرم بالمسدس عبر القضبان التي تفصلهما بالسيارة.

 

أجابت: حمل المسدسات والأسلحة النارية بأنواعها غير مسموح به نهائيا للمدنيين في الصين يعني لا توجد عندنا رخصة حمل سلاح أو حيازة مسدس مثلما الأمر عندكم أو في دول أخرى كثيرة بالعالم ، لهذا لا يسمح إلا بحيازة الأسلحة البيضاء، وبالتالي فالسائقون لا يمكن تهديدهم إلا بالمطاوي أو السكاكين، التي يحول دونها هذا العازل المعدني ذو القضبان.

 

وبعيداً عن الجريمة والعنف، الذين لا تبدو لهما أي علامات واضحة على وجه بكين الهادئ الرصين ،  يمكننا أن نكمل متعة التجول والاكتشاف في أشهر اسواق العاصمة، وأكثرها شعبية خاصة عند العرب والمصريين.

 

إنه “سوق الحرير” Silkshop

 

تذهب إيه زائرا ، فتتقمصك هناك روح التاجر و تنفتح نفسك للتسوق ومتعة الشراء والاقتناء والدفع عمَّال على بطَّال…( يااااالله.. إن شالله ما حد حوش ) .

 

هنا الفصال أساسي والمساومة على السعر موهبة لا غنى لك عنها، حتى لا تخسر مالك ووقتك ومتعتك في هذا السوق اللولبي المزدحم بالبضائع والبشر وصوت الباعة العالي المقتحم، الذي يصل أحياناً لجذب الزبائن بالأيدي والتشبث بهم دون هوادة، خاصة لو لمحوا في عيونهم لمعة الإنبهار بالمعروضات، أو وجدوا في صوتهم ضعفاً يكشف رضاهم عن الشراء بأي سعر،  حتى لا يعودوا للأسرة والاصدقاء في بلادهم بغير هدايا أو تذكارات.

 

لكن خذها مني نصيحة وإسأل مجرب:

إن قالوا لك هذا الثوب بــــــ 400

قل سأشتريه بــــــ40 ليس أكثر!

وإن قالوا لك السعر “5500 ريمان بي”

فمعنى ذلك أنك تستطيع الحصول على الشيء ذاته مقابل “300 ريمان بي” ليس إلا.

وللعمل الإيوان والريما بي، إسمان لعملة واحدة، هي العملة الصينية الحالية ، وترجمة الريمان بي حرفياً تعني “فلوس الشعب”.

 

حيث أن الحكم الإشتراكي والنظام الشيوعي حريص بطبيعة الحال، على تشجيع فكرة الملكية الجماعية وسيطرة الدولة على كل شيء والتضحية بالفردية والحرية الشخصية لصالح المجموع.

 

ومع ذلك تظهر روح الوطنية والإنتماء الشديد في تصرفات وأحاديث الصينين العفوية وعاداتهم اليومية، مثل وقوفهم طوعاً بالطوابير يومياً، احتراماً لمشهد رفع العلم الصيني صباحاً أو نزوله ليلاً في أحد اكبر ميادين العاصمة.

 

مع الإلتزام الجماعي الصارم بقوانين المرور وقواعد الحفاظ على نظافة الشوارع والأمكنة العامة وكل ما من شأنه الحفاظ على التقاليد الراسخة وإظهار بلادهم في أحسن أحوالها امام السياح والضيوف الأجانب.

 

الشحاذون قلة قليلة نادرة أو تكاد تجزم أنهم كذلك وانت تتمشى في الأماكن والمزارات السياحية ومعظم الشوارع بما فيها الأحياء الفقيرة في بكين.

 

وفي المطاعم يستقبلونك بإبتسامه واسعة تعتذر بلباقة عن عدم اجادة اللغة الانجليزية أو بالأحرى عدم معرفتها أساساً، لدرجة تستوجب أن يكون بصحبتك مترجماً من أهل البلد لتنجح مهمتك في المكان، أو تقضي حاجاتك في الأسواق أو تأكل ما تريد في اكثر الفنادق شهرة و في اغلى المطاعم وأهمها!

 

ومن هذه المطاعم مثلا :  مطعم “كل وأطبخ”

 هكذا أطلقت عليه أنا، بدلاً من إسمه الصيني معقد النطق، صعب الترجمة !

 

إنه مطعم القدور المغلية، حيث توجد في وسط كل مائدة فيه، قدر نحاسي مثبت في قاعدة المائدة دون حراك، يشعل النادل النار من تحته بمجرد جلوسك الى المائدة، وحين يغلي الماء داخله، يصبح عليك أن تضع فيه تباعاً رقائق الكرنب والخس والجمبري وأنواع اللحوم التي طلبتها أياً كان نوعها وحجمها.

 

وبعد دقائق تنتشل بالعصيان الصيني الخشبية الطويلة قطع الخضروات واللحوم وقد تم نضجها وتأكلها وانت تستعد لوضع غيرها في الماء المغلي والبخار والرائحة الفواحة يتصاعدان في وجهك (بالضبط كأن في مطبخ بيتكم تعد حلة محشي أو تسلق فرخة شامورت !)

 

وهكذا تمضي ساعات وأنت تأكل وتطبخ وتتحدث مع الاصدقاء في المطعم  الصيني التقليدي الذي لا ينقصه الشاي الأخضر والبخور وتماثيل بوذا الحكيم، لإضفاء روح البركة  والسعادة للعشاء والسهرة!!

 

في الصين أعاجيب كثيرة، تستحق أن تراها وتجربها بنفسك.

 

حاول ألا تفوَّت الفرصة، وإن إستطعت “تعالى بالعجل”!!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث