أنفاق قطاع غزة تتحول من حل إلى مشكلة

أنفاق قطاع غزة تتحول من حل إلى مشكلة

أنفاق قطاع غزة تتحول من حل إلى مشكلة

غزة – (خاص) من محمد عثمان

انفجر الشريان المغذّي لسكان قطاع غزة، فالأنفاق التي غذّت القطاع منذ بدء الحصار الإسرائيلي له قبل أكثر من سبع سنوات المواد الغذائية ومواد البناء، أصبحت هدف الجيش المصري بسبب ما يمثله من خطر الأمن القومي المصري.

 

وتوجّه مراسل “إرم” إلى الحدود الفلسطينية المصرية جنوب قطاع غزة، للوقوف عند آخر تطورات العمل في منطقة الأنفاق التي تمتد على طول الحدود بين “الرفحين” الفلسطينية والمصرية.

 

وقال “وصلنا عصراً إلى المنطقة التي تكتظ بالخيام التي تتوارى تحتها حياة أخرى، المكسب فيها بمذاق الموت، والأنفاق التي لولاها لـ”نفق” سكان القطاع قهراً وجوعاً، رغم مساوئها، من وفيات لعمالها وصناعة عدداً من “المليونيرات” الذين استغلوا معاناة أهل القطاع”، وأضاف “في خلفية المشهد عمال منشغلون كلٌ منهم يحاول سحب الرمال والطين التي دمّرت جزءاً من النفق الذي يعملون به جراء عمليات الجيش المصري، والبعض الآخر يسحب بقايا ما استطاع إليه سبيلا من بعض البضائع المتمثّلة بمواد البناء كالحصمة –الزلط-، قبل أن تبدأ الحملة اليومية للجيش المصري لإغلاق الأنفاق أو حتى إخافة أصحابها، الذين فضّلوا إغلاق مدخل النفق (العين) من الجانب المصري، ولو مؤقتا، كي لا تُغلق إلى الأبد، ومعها كما يقولون مصدر رزقهم الذي أصبح فتاتاً منذ قرر الجيش المصري هدم الأنفاق.

 

ويضيف “لأنهم يخافون على مصدر رزقهم، تعبنا حين أقنعناهم بالتعاون مع أحدهم والذي كان بمثابة الدليل لنا، بأن نشاهد معهم مراحل استخراج آخر بقايا ما هربوه من الجانب المصري من “حصمة”.

 

ويقول المسؤول عن إدارة النفق المخصص لتهريب الحصمة “أبو أحمد” إنهم أغلقوا النفق من الجانب المصري بمحض إرادتهم مؤقتاً خوفاً من اكتشافه من قِبل الجيش المصري وإغلاقه تماماً، موضحاً أنه يوجد الكثير من الحصمة داخل النفق قطعت نصف الطريق من مصر إلى القطاع، ويشير أبو أحمد إلى إمكانية فتح النفق خلال ساعات أو أيام، موضحاً: “بعد سحب ما تبقى من حصمة داخل النفق سنسحب الرمال التي أغلقنا بها عين النفق من الجانب المصري لاستئناف العمل به خلال الفترة القادمة وجلب البضائع”، مؤكداً أن ذلك لن يحدث إلا بعد انسحاب الجيش المصري من الشريط الحدودي.

 

وقال المراسل بعد التعاون مع أبو أحمد “نزلنا إلى نفق أبو أحمد، وكانت بدايته عبارة عن بئر قطره حوالي متر ونصف المتر ينخفض عن الأرض بما يزيد عن ثلاثين متراً (ارتفاع البئر)، ويمتد حتى الجانب المصري لأكثر من سبعمائة متر حتى الوصول إلى فتحة قطرها أقل من نصف متر مخصصة لضخ كميات الحصمة المهرّبة الى القطاع، وأسرد “حتى تدخل النفق عليكَ أن تزحفَ على قدميك ويديك وبعض أمتار ليست بالقليلة تتمكن من السير منحني الظهر لمسافة أمتار كذلك حتى تتمكن أخيراً من نصب قامتك، وما إن تصل نهاية النفق حتى تلتقط أنفاسك بسهولة، فالأمر أشبه بأن تدفن في قبرٍ طويل وارتفاعاته متذبذبة.

 

تلك الكميات من الحصمة والتي يعمل على استخراجها عشرات العمال يتقاسمون 12 شيقلا (3 دولار) أجرة كل طن يقومون بسحبه، ويبيعه صاحب النفق بمائة شيقل (9 دولار) بمكسب بسيط هذه الأيام مقارنة بسعره الاصلي، والأنفاق العاملة بإدخال مواد إلى القطاع لم يتبقَ مستمرا منها بالعمل سوى 30 نفقا على أكثر تقدير، وفق أحد العمال الذي اشتهر بمعاصرته للأنفاق منذ نشأتها مع بداية الحصار الإسرائيلي للقطاع.

 

إلى جانب غضاضة العيش ومر الأيام التي تجعل شباب القطاع يمارسون أقسى المهن التي ممكن أن يعرفها الرجال، لا سيما وإن علمنا ما هو المردود المالي منها، إذ يقول حسن أحد العمال في النفق: “أعمل في الأنفاق منذ عام ونصف، وفي بداية عملي قبل أن تتغير الأوضاع في مصر كنت أتقاضى يومياً مقابل ثماني ساعات ما بين 120 الى 130 شيقل، أما اليوم فأعمل منذ الساعة السادسة صباحاً حتى الثامنة مساءً على مدار 14 ساعة واتقاضى 36 شيقل فقط (10 دولار)”، حسن الذي يبلغ من العمر عشرين ربيعاً لا يزال طالبا في السنة الجامعية الثانية، سألناه لماذا تعمل في هذا القبر؟ فأجاب بمرارة: “شو اللي رماك على المر غير اللي أمر منه”.

 

نفق سعيد يشبه إلى حد كبير المناجم، إذ يبدأ بلا بئر، بطريق مائلة تمتد من بدايته حتى نهايته، عليها قضبان وعربات حديدية تسحب البضائع التي يتم تهريبها من الجانب المصري، والتي في غالبها هذه الأيام تكون فقط الحصمة، سعيد يقول لـ”إرم” إن البضائع الموجودة حالياً داخل الأنفاق التي فجّر الجيش المصري مداخلها لا تتعدى الكميات المحدودة، وهي في معظمها مواد بناء وليست غذائية.

 

ويوضح سعيد: “نفقي دمّرت فتحته التي نضخ من خلالها البضائع، وأتوقع حتى أن يتم إغلاق الانفاق التي لم يستهدفها الجيش المصري خلال الأيام القادمة، وبالتالي تشتد الازمة على قطاع غزة بشكل أكبر من السنوات الماضية”، وما يساعد أصحاب الأنفاق حالياً هو أن الجزء الأكبر من النفق لم يهدم بعد، وأن الكثير من البضائع التي تهرّب فيه لا تزال في منتصف الطريق تحتَ الأرض وبإمكانهم سحبها إلى داخل الأراضي الفلسطينية، ولكن من المستحيل إدخال غيرها.

 

وختم مراسل “إرم” قائلاً “أثناء دخولنا لنفق سعيد، كانت كارثة طبيعية في انتظارنا إذ أن جدران النفق تشققت بشكل ملحوظ نتيجة الهدم الذي تعرضَ له مدخل النفق من الجانب المصري، ولولا حذر العمال أثناء العمل فيه لسقطَ النفق فوقَ رؤوسهم”، الجدير بالذكر أن معالم الازمة بدأت تطفو على السطح خلال الأيام الماضية بسبب تفجير الجانب المصري لغالبية الأنفاق التي تهرّب “السولار والبنزين” الخاص بالسيارات، والتي يصل سعرها إلى أقل من تلك التي تأتي عبر المعابر الاسرائيلية بنحو 50% من سعرها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث