دمٌ يُراق وألسنة تكذب

دمٌ يُراق وألسنة تكذب

دمٌ يُراق وألسنة تكذب

عدلي صادق

 

من قديم، أسسوا مدرسة للكذب، باتت ذات “تراث” يريدونه أن يصبح فقهاً. الطريف، أن ممارسة الكذب، في وعيهم، أصبح من الحلال البيّن، ومما يخدم “الدعوة” على قاعدة أن المكذوب عليهم، ليسوا إلا زنادقة الذين هم كل من لا ينتمي اليهم، بصرف النظر عن صحيح دينهم. والمتخرجون من مدرستهم، حتى لو انشقوا عليهم ووصلوا الى برّنا، يلاحظ واحدنا أنهم كذابون بارعون، يضحكون على ذقن ألمع عقل عندنا، وليس هذا على أية حال، هو موضوعنا الآن، لأنه لا يدخل على خط الأنباء في هذه اللحظة!

ثمة، عندهم، ثلاث مراتب: كذاب، وكويذب وذيل كاذب. ويا ويل من لا يشد براغي عربته، ومن يفتح في جداره الثغرات، مثلما كان حال الحركات الوطنية والقومية والديموقراطية. يجري الكذب عليها وعلى شرفها وعلى تاريخها ورموزها وثقافتها  وعاطفتها، مثلما يجري الماء في المنحدر ، رقراقاً يُغري بالشُرب. هذا أيضاً، هو خارج موضوعنا، كونه لا يتصل بخط الأنباء في هذه اللحظة!

أحياناً، محسوبكم يضحك كلما سمع كويذباً، أو ذيل كاذب؛ يرتجل الكلام في وجهة اللامعقول، مثل ذلك الفتى الناطق، من “حماس” الذي اتهم “فتح” بأنها هي التي حرضت السلطات المصرية على “الجماعة” في محاولة كاريكاتورية، لأخذ عقول واذهان الناس، بعيداً عن حقيقة أن “الجماعة” بحماقتها وعنفها وبجهلها السياسي، وبأفعالها الرديئة، وبتعجلها لرزقها؛ هي التي حرضت الدولة على نفسها وخوزقت جمعها.

هناك نوع من التكاذب، سأجعله موضوع هذه السطور. هو ذاك الذي يقع بين الصف الأول من “الجماعة” عندما تقع الفأس في الرأس، ويتنصلون من المسؤولية. ففي ذات يوم، بعد ذات جريمة في آذار (مارس) 1948 اجتمع كبار “الإخوان” فيما هم متوترون خائفون، من عواقب قتل قاضٍ. كان صاحب الأمر المباشر بالتنفيذ، هو عبد الرحمن السَنَدي رئيس التنظيم الخاص. وكاتب هذه السطور، عندما يتناول مسألة تتعلق بـ “الجماعة” يلتزم مبدأ استبعاد وإهمال مراجع وكتابات الخصوم، والأخذ بمذكرات الشهود والمشاركين والقيادات الإخوانية نفسها، لكي لا يخرج نويطق إخواني لفتح ثغرة فيما نكتب. ففي واقعة التكاذب بين حسن البنا والسَنَدي، عند مناقشة حادث القتل؛ كتب الشيخ عبد العزيز كامل، الذي كان عضواً في قيادة التنظيم الخاص، مذكراته التي وصف فيها جلسة التكاذب، فقال إن البنا، لفرط اضطرابه، صلى فرض العشاء ثلاث ركعات قبل بدء الحديث. بدأ “المُرشد” كلامه قائلاً:  إن كل ما صدر منى تعليقاً على أحكام الخازندار فى قضايا الإخوان هو «لو ربنا يخلصنا منه» أو «لو نخلص منه» أو «لو حد يخلصنا منه»، بما يعنى أن كلماتى لا تزيد على الأمنيات ولم تصل إلى حد الأمر، ولم أكلف أحداً بتنفيذ ذلك، ففهم أخونا عبدالرحمن السَنَدى هذه الأمنية على أنها أمر، واتخذ إجراءاته التنفيذية وفوجئت بالتنفيذ!

هنا، طلب صاحب المذكرات الإذن بتوجيه بعض الأسئلة للبنا فأذن له، فسأل: هل أصدرت أمراً صريحاً لعبد الرحمن السَنَدي باغتيال الخازندار، وهل تحمل دمه على رأسك، وتلقى الله به يوم القيامة؟ أجاب “المُرشد”: لا!

 تناسى البنا أنه عندما اختار لقبه كـ “مرشد” كان يعني حصراً، أن يكون ملهماً للنفوس، بالتصريح أو بالتلميح والإيجاء. وعاد كامل ليسأله بصيغة الاستفهام التقريري: إذن، فضيلتكم لم تأمر ولا تحمل مسؤولية هذا العمل أمام الله؟ أجاب البنا: نعم!

هنا سأل عبد العزيز كامل السَندي نفسه قائلاً: ممن تلقيت الأمر بالقتل؟ أجاب: من الأستاذ حسن البنا. ثم سأله: وهل تحمل دم الخازندار على رأسك يوم القيامة؟ الجواب: لا. يعود كامل الى السؤال: إذن من يتحمل مسؤولية الشباب الذين دفعتم بهم إلى قتل الخازندار؟ السندى: عندما يقول الأستاذ إنه يتمنى الخلاص من الخازندار فرغبته فى الخلاص منه أمر. كامل معقباً: مثل هذه الأمور لا تؤخذ بالمفهوم أو بالرغبة!

عاد كامل الى “المرشد” يسأله: هل ستترك المسائل على ما هى عليه أم يحتاج الأمر منك صورة جديدة للقيادة وتحديد المسؤوليات؟ فرد البنا: بل لابد من تحديد المسؤوليات. واستقر الرأى على تكوين لجنة تضم كبار المسؤولين عن النظام الخاص، بحيث لا ينفرد السَنَدى برأى أو تصرف، وأن تأخذ اللجنة توجيهاتها الواضحة من البنا نفسه، وفق ميزان دينى، وهو الدور الذى قام به الشيخ سيد سابق. وأوضح كامل أن سابق أصبح ميزاناً لكبح حركة الآلة العنيفة داخل “الإخوان”.

بعد أن أقيم “الميزان” احتدم القتل، وكانت المسؤولية تقع حصراً على البنا الذي دفع ثمنها حياته فيما بعد. وبعد عدة سنوات، وضع سيّد قطب مسوّغات رفع الميزان وإحالته الى مخزن “الكراكيب” على أن يتكفل الكذب “الحلال” بوصف الوقائع، وأن لا يتحمل أحد المسؤولية عن الدم!

أعترف لهم بالبراعة في الخداع. و”الزنادقة” حسب وصفهم، ليسوا على قلب رجل واحد. لا يقرأون ولا يتعظون. لكن الفتق، عندما يتسع على الراتق،ِ تتحول أوقاتنا الى مكذبة، أو الى قيامة صغرى للتكاذب. يكذبون على الناس، ويكذبون على أنفسهم، ولا يخطر ببالهم ذلك الاستفهام الذي تضمنته أسئلة عبد العزيز كامل للبنا وللسَنَدي: هل تحمل الدم على رأسك لتلقى الله به في يوم القيامة؟

الدم يُسفك والأبرياء البسطاء يسقطون. والمرشدون الكذابون يعرفون أنهم لن يهزموا الدولة ولن يقهروا المجتمع. على الرغم من ذلك يخوضون الغمار، وكل واحد منهم، حريص على أن يحقن دمه الشخصي، لكنه يؤجج المشهد كله، بالتوصيف الكاذب للوقائع. لم يعد البسطاء يصدّقون، لأن النعوش عندما تسري في الأرجاء، تدحض ثرثرات الدجالين، وهؤلاء ذاهبون حتماً. بقي على الدولة، كل دولة، أن تكف عن سذاجة الطرح بالإقلاع عن حديث المصالحة وعدم الإقصاء. فإقصاء هؤلاء واجب شرعي ووطني وإنساني، لأنهم لا يتغيرون. والأمريكيون ــ والشكر لهم ــ لم يقصروا عندما لم يكتموا تعاطفهم مع الكذابين، هم والبريطانيون الذين يريدون معاقبة الدولة المصرية على إقصائها لهم بعد أن أعيتها الحيلة للتوافق معهم على صيغة سلمية. أما الكذابون، وعلى الرغم من كل الإجراءات السريعة التي اتخذت لتعليق المساعدات لمصر من أمريكا وبريطانيا؛ يصرون على أنها “مؤامرة استعمارية”. ما قاله الإمبريالون الجدد والقدامى، في دعم “الجماعة” منذ اليوم الأول للأزمة في مصر، لم يقولوه بهذا الحجم وبهذه الجدية الفاجرتين، بعد ثلاث سنوات من تدمير سوريا وقتل أهلها. ارتسم الفارق بين المواقف. غير أن خطأ الدولة في مصر، أنها لم تعمل على تعريف الأجيال، بوقائع تاريخ “الجماعة” فكان سهلاً خداع الناشئة والبسطاء، وظهر النويطقون من ذيول الكذابين، في كل مكان!

adlishaban@hotmail.com

   

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث