مساءات القاهرة قبل الفض

مساءات القاهرة قبل الفض

مساءات القاهرة قبل الفض

عدلي صادق

في مساءات القاهرة، التي سبقت ليلة الحريق، كان أكثر من 99% من الناس يكتظون في ميادين المدينة وشوارعها ومرافقها ووسائل مواصلاتها، في دفقٍ وازدحام مدهشيْن، يعكسان شوقاً الى حياة طبيعية، وازدراءً بكل نشاز. أما محتشدو “السمع والطاعة” فقد ظلوا على دأبهم، فيما كان المصريون، كلما أتيحت لهم ثوانٍ  للحديث في ذلك الشأن؛ يتبادلون التعليق على كل عجيب من لقطات الأوقات في “رابعة” و”النهضة”. أما المعتصمون في الموضعْين، في أيامهم الأخيرة؛ فقد كانوا يرسلون مفارقاتهم لجذب الانتباه وتطيير النُذر. أهل الدولة والقوى السياسية كانوا منزعجين من فقدان السيطرة على الموضعيْن، لا سيما وأن المسألة تنم عن رغبة في كسر هيبة الدولة وإخضاع المجتمع. أنباء صغائر الحياة وتفصيلاتها، في نقطتي تقاطع الطرق؛ كانت ترشح، ويتلقفها المصريون بروح الفكاهة. مباراة في كرة القدم، بين فريقي “النهضة” و”رابعة” استحثت تعليقاً استفهامياً: إنت ربعاوي ولا نهضاوي؟! مراحيض وحمامات اغتسال، ومولدات كهرباء، وأسرّة للنوم، ومكاتب مأذونين شرعيين لإبرام العقود، ومشفى ومطاعم واسطوانات غاز، ومقاولو “حصمة” لزوم التحصين يتقاضون أثمان ما يجلبونه بأوراق نقدية تطمسها أختام ذات شعارات تتعلق برئاسة مرسي، فتفسدها بمعايير ومواصفات البنك المركزي للأوراق النقدية. نقاط تجميع لأدوات الاحتراب البيضاء وللسلاح الناري. وفي الأيام الأخيرة، قبل الفَضْ، بدأت مشاغبات من جنس خرابيش الطفل الذي لا يكترث أهله لعبثه واحتجاجه واعتصامه، فيعمد الى “تطوير” الموقف بإعلاء الصوت ومد مساحة الإزعاج. لذا كنت تسمع في الليالي السابقات، عن حادث هنا وآخر هناك، فيما الناس منخرطون في أشغالهم وطبائعهم اليومية دونما اكتراث!

 

كان الأمر مقروءاً حتى لغير ذوي البصر والبصيرة. الناس غير مكترثين، وإن كان بعضهم الذي يتابع الصحف وشاشات التلفزة، قلق ومُتحَسّب. كأنما هاتف، في داخل كل من هذاالبعض، يشرح له مفارقات اللحظة: هؤلاء المعتصمون، يريدون اختطاف البلد وأهلها، من خلال اختطاف تقاطعيْ طرق، مع بعض الحواري في الأحياء المكتظة، وفي مدن المحافظات. وفي المشاغبات الممدودة الى خارج التقاطعين، لإعلاء الصوت وتجديد زخم الأزمة؛ اتخذت الوقائع شكلاً قبيحاً ودخيلاً على روح المصريين. استهداف محطات بنزين، كنائس، مقرات شرطة ومرافق، ومحطات مترو، وكان الرصاص يُلعلع.

 

في الحادية عشرة من المساء الأخير، قصدتُ سوق الأزبكية للكتب القديمة، المتراصة أكشاكها وبسطاتها، في أحد الأزقة المفتوحة على فم محطة مترو أنفاق “العتبة”. في الطريق الى هناك، جلست في ساحة تمثال إبراهيم باشا، في ميدان “الأوبرا” على بعد أمتار من الأزبكية، لكي أدخن جالساً على أحد المقاعد الصلبة في المكان. هناك حاضرون يتوخون تيار الهواء والاستراحة، وآخرون عاشقون يتقاربون ويتناجون، بين الشجيرات الصغيرة في مستديرة التمثال. جاءوا الى هنا ولم يذهبوا لأي “مأذون” في “رابعة”. بعض اللقطات تنم عن افتقادهم لأي مكان يلائم التناجي، باستثناء “الأوبرا” في قلب مدينة صاخبة. ما أوسع البلد، وما أضيق الفرصة. لم يكن في نفسي، لإبراهيم باشا المتغطرس فوق فرسه حاملاً سيفه، سوى مفارقة واحدة فلسطينية. لقد قاتلناه نحن في فلسطين، عندما جاءنا باسم البيعة لأبيه الوالي محمد علي. كانت لنا انتفاضة ضارية استمرت تسع سنين، ضد تعدياته واستهتاره بكرامة الفلسطينيين، بدءاً من  العام 1834 عندما قتل بعض الشبان من “سعير” في محافظة الخليل. فقد أديرت فعاليات الانتفاضة على امتداد زمنها، من مدينة “نابلس” وعدّ المؤرخون تلك الثورة، حدثاً مؤسساً للفكرة الوطنية الحديثة والمعاصرة في بلادنا. طرد الفلسطينيون ابراهيم باشا من وطننا، رفضاً للاستبداد باسم المشترك الديني المُقدّر!

 

في سوق الأزبكبة، قدم لي عم مصيلحي، نسخة مجلدة حديثاً من كتاب قديم نشر في العام 1932 وهو “المنتخب من أدب العرب” الذي جمعه طه حسين وأحمد الاسكندري وعلي الجارم وأحمد أمين. وقع نظري في صفحة من النثر، على خطبة عثمان بن عفان البديعة، التي قال فيها “إن عاهة هذه الأمة، عيّابون ظنّانون، يُظهرون لكم ما تحبون، ويُسرون ما تكرهون، يقولون لكم وتقولون، طَغَامٌ (أرذال) مثل النعام، يتبعون أول ناعق، أحب مواردهم اليهم النازح” و”خير العباد في الدنيا، من عَصَمَ واستعصم بالله”!

 

ابتعت  أيضاً، كمية من صف الكتب التي بسعر جنيه، وأخرى من صف ذات الجنيهين، وأخرى مما هي بسعر الجنيهات الخمسة. أما القديم، فقد ساومت العم مصيلحي على سعره. في طريق العودة عبر ميدان “الأوبرا” الذي لا ينام، أشار خالد عويضة الذي معي، وهو أطول رجل في العالم؛ الى تمثال ابراهيم باشا على خيله، عندما مررنا بجانبه. بدا سيف إبراهيم، متدلياً الى أسفل بطن الخيل الجامحة، بل الى ما هو أدنى بكثير. من بعيد، يختلط الأمر على الناظرين للمرة الأولى، إذ يتبدى طرف السيف الممتد نزولاً بصلابة من فولاذ، تستعصي على الرياح والزمن، وكأنه حال انتصاب لشيء آخر من أطراف الخيل، جاهزاً لامتطاء أعلى الذُرى، لكي يضمن استمرار خِصب الحياة. هكذا هي الدولة، ينتصِبُ خيلها ويُمتَشق سيفها، كلما لاح العقم في الأفق!

adlishaban@hotmail.com                 

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث