حفلة موسيقيّة تتحوّل إلى قضيّة رأي عام في الأردن

حفلة موسيقيّة تتحوّل إلى قضيّة رأي عام في الأردن
المصدر: عمّان- (خاص) من فوزي باكير

تحوّل حفل موسيقيّ أقامه مجموعة من الفنانين الأردنيين ختاماً للعام المُنصرم، إلى قضيّة رأي عامٍ تُشعلُ المشهد الثّقافي الأردنيّ وسط جدلٍ واسع، فبدلاً من أن تحقّق الموسيقى ذاك السّلام الدّاخليّ الذي تتّسم به، أفضت بهم إلى مركزٍ أمنيّ!

مزحة اقتصادية تودي بالموسيقيين إلى الشّرطة

في منتصفِ الحفل تقريباً، قدّمَ الفنان طارق الجُندي قطعتَه (رقصة الصّباح)، وقبل تقديمها أراد أن يُحدّث الجمهور عنها، وقال مازحاً: “لا أستطيع الكلام بسبب البرد، يبدو أنّ الحكومة أيضاً ليست قادرة على دفع ثمن (السّولار) مثلها مثل المواطن”، وضحك الجمهور وتابعت الفرقة حفلها بسلام.

وبعد انتهاء الحفل، وفق تصريحات الجنديّ لـ”إرم”، صعد بعض الأصدقاء إلى منصّة المسرح كي يساعدوا الفرقة على نقل آلاتها خارج المسرح، فجاءَهُ أحد موظّفي الأمن ليمنع صعودَهم نحوه، مبيّنا للجنديّ أنّ التعليمات تنصّ على ذلك، فاستنكر الجنديّ الأمر، موضّحا للموظّف أنّه يعمل في هذا المسرح منذ العام 2007، ولم يحصل أبداً أن مُنع أحدٌ من الصّعود إلى المنصّة.

فغضب الموظّف كما يبيّن الجنديّ، وردّ قائلاً: “هذه هي التّعليمات، وهذا ما لدينا، ما بك؟ أرى أنّ شيئاً لا يُعجبك، لا التّعليمات ولا الحكومة ولا الإدارة”، في إشارةٍ إلى الممازحة التي مرّرها الجنديّ خلال الحفل، ليجيبَه الجنديّ مُتسائلا: “ألهذا الجميع يتساءل عن أسباب الترهّل الإداري؟”، فردّ الموظّف: “من أمثالِكَ، والحكومة على رأسِك”.

وهنا تدخّل موظّفٌ آخر، وطلب من الجنديّ أن يصعد إلى مكتب مدير مركز الحسين الثقافي، عبد الهادي راجي المجالي، لأنّه يريد التّحدّث معه، فرفضَ الصّعود، وإذ بالمجالي يحضر، ويسأل طارق عن سبب غضبه، فنفى الجنديّ أن يكون غاضباً، وقال: “لكنّني أشعر بالبرد لأنكم لم تشغّلوا التدفئة”، ليُفاجئه المجالي قائلاً: “قبل أن تتفلسفَ على (السولار)، ادفع أجرة المسرح الذي تبرّعتُ لك فيه بالمجّان!”، فأجاب الجُنديّ مُستنكراً بشدّة: “هل أنتَ مالك المسرح؟ هذا المسرح للأمانة وليس لك، أنتَ هُنا موظّفٌ تُديره فقط، وليس لكَ فضلٌ على أحد في أن تتبرّع فيه”.

ويتابع الجنديّ مبيّناً أنّ الموظّف الثاني عاد ليتدخّل قائلاً: “احترم نفسَك وأنتَ تُكلّم المدير”، ليردّ الجنديّ: “هذا مُديرك وليس مُديري، وليس له الحقّ أن يتحدّث معي بهذا الأسلوب”.

طلب المجالي من الجنديّ، مُمسكاً بذراعه، أن يتحدّث إليه على انفراد، فرفض الجنديّ ذلك، فقال المجالي، بعد أن خلع معطفه: “أرى أنّ أحداً لا يُملئ عينَك، لا الحكومة ولا المسؤولين، إن أردتَ العنف، فليكُن”، ليُجيب الجنديّ: “أنا لستُ هنا لأضربَ أحداً”.

وهنا تدخّل موظّفٌ ثالثٌ بعُنف وأخذ يصرخ ويشتم: “اخرجوا من هنا، انصرفوا، لا أريد أن أرى أحدا في المسرح”، ليبدأ الاعتداء على الفرقة الموسيقيّة، محاولين ضرب الفنّانتين غيا ارشيدات، صاحبة الحفل، وآلاء التكروري، عازفة الفلوت، بالإضافة إلى الموسيقي يعرُب اسميرات، عازف كمان، وذهب الجميع بعدها إلى الشُّرطة، في مركز أمن وسط المدينة.

الجُندي يُتَّهم بشتم رئيس الحكومة

وصل الجنديّ، الذي تلقّى لكمتين على وجهه، والمجالي ونائبه، وبعض أعضاء الفرقة إلى مركز أمن وسط المدينة لتقديم شكوى.

بدأ المجالي بالكلام مُتّهما الجنديّ بشتم الحكومة ورئيسها، عبد الله النّسور، فقاطعه الجنديّ نافياً ذلك تماما، ليردّ عليه نائب المجالي قائلاً: “أنتَ شحّاد وتتشرّط!”، فصمت الجميع ولم يعلّق أحدا بما فيهم مُدير المركز الأمنيّ.

“لا يحقّ لك أنتَ تتحدّث في السّياسة وأن تخلطَها بالأمور الفنيّة”، بهذه العبارة، كسر المجالي حاجز الصّمت، مُتابعاً: “أنا أُوفّر لك الخدمات على حساب أبناء المُحافظات، وأنتَ تعمل على إثارة الفتن!”، مُختتما كلامَه بعبارة غريبة: “يبدو أنّ دمّكَ حامٍ، فلنعمل إذن على إعادتِكَ إلى الحدود!”.

وهنا جاء الرّدُّ صادماً من طارق الجنديّ على كلام المجالي، فقال له: “إن كُنتَ تتكّئُ على عشيرتِك، فليُكن، هل تدري من يقف في ظهري؟ أجبني، هل تدري؟”، ليُصاب المجالي بالذّهول وفق وصف الجندي، الذي أجابَ هو على سؤاله: “ما من أحدٍ يقف معي، ما من أحد”.

وما ترتّب على هذا الأمر، بدايةً، مُحاولة تلفيق تُهمة للجُندي بأنّه داسَ على علم الأردنّ أثناء الاعتداء، ولو أنّ التّلفيق نجح، لتحوّل الأمر إلى قضيّة أمن دولة، لكن ما حصل، أنّه تم تحريك قضيّة ضدّ الجندي بتهمة الاعتداء على موظّف عامّ.

لقاء مُخيّب بأمين عمّان

حاول الفنّانون بعد الحادثة أن يلتقوا بأمين عمّان، عقل بلتاجي، وبعد مراسلاتٍ كثيرة له، استطاعوا أن يحدّدوا موعداً معه، بوساطة من العين بسّام حدّادين، إلّا أنّهم، كما يصف الجندي، بعد أن أمضوا ساعتين يشرحون له ما حدث بالتفصيل، خرجوا خائبي الأمل.

فالجلسة مع الأمين ونائبه وبعض المسؤولين في الأمانة، أخذت تجاه آخر تماماً وفق بيان أصدره الفنانون، فراح يتحدث الأمين عن إنجازات الأمانة وطريقة تعاملها مع العاصفة الثلجية “ألكسا”، وحين تحدّث عن حادثة الاعتداء وصفها بـ”الشجار”، وهذا ما يرفضه الموسيقيون، إذ يرون أنّ ما حصل كان اعتداءً وليس شجاراً.

لكنّ بلتاجي أصرّ على أنّ ما حدث هو مجرّد سوء تفاهم، دون أيّ تعليق منه على قول الجنديّ: “لقد وُجهت لي عبارات قاسية في مركز الشرطة، حيث وجه لي مدير مركز الحسين الثقافي ومعاونه عبارات مليئة بالعنصرية”.

وحاول الموسيقيّون الاعتراض على طريقة تعامل الأمانة مع الحادثة، فردّ رئيس لجنة التحقق سلطان الفايز: “نحن نقول لكم إننا نريد أن نُغلق القضية، وأنا أرى أنكم تريدون مناقشتها، نحن نحاول أن نجد حلاً لها وأنتم تحاولون افتعال مشكلة”.

والطّريف في الأمر، أنّ الأمانة بعد هذه الجلسة طلبت من الفنانين أن يلتقطوا وإيّاهم صورةً جماعيّة، كي يظهر الأمر كأنّ الأطراف جميعها راضية، لكنّ الفنّانين رفضوا هذه الفكرة، مصرّين على مقاطعة المركز إلى أن يتمّ تغيير إدارته.

كواليس ما قبل الحفل

الحفلة كانت الأولى للؤلّفة الموسيقيّة الأردنيّة غيا ارشيدات، على آلة البيانو، شاركها فيها الموسيقي طارق الجندي، على آلة العود، وآلاء التكروري، على آلة الفلوت، وناصر السلامة على الإيقاع، وخالد بلعاوي على آلة التشيلو، وبشار خريس على الدرامز والدرام جام، ولمى زخريا غناء.

قدّمت الفنّانة غِيا ارشيدات في الحفل 7 قطع من تأليفِها، وكذلك قدّم الجنديّ قطعة من تأليفه، وقدّما أيضاً قطعتين واحدة للموسيقيّ صخر حتّر، والثّانية لمحمد عثمان صدّيق، الأخير الذي أمَّن لهم مسرح مركز الحُسين الثّقافيّ لكي يُقام فيه الحفل، بصفتِه مدير المعهد الوطني للموسيقى التّابع لأمانة عمّان التي تُشرف أيضاً على المركز بإدارة المجالي.

وتبيّن ارشيدات أنّه قبل بدء الحفل بحوالي 3 ساعات، طالبت الفرقةُ مراراً أن يتمّ تشغيل التدفئة، لأنّ الآلات أيضا، وليس الموسيقيين وحسب، تتأثر من انخفاض الحرارة، ولم يستجب أحد.

وتكشف عن أنّ المجالي هدّد الفرقة بأن يلغي الحفل بكلّ بساطة! وذلك لأنّ إحدى الفضائيّات أرادت أن تُجري مقابلة مع ارشيدات، فوضّحت: “المجالي أعلنَ لي عن موقفٍ يتّخذه من إحدى العاملات في القناة، جعله يرفض إدخالهم لإجراء المقابلة، وأخّر الفضائيّات الأخرى حتّى تدخل، ممّا سبّب تأخيراً في دخول الجمهور”.

وفي محاولة “إرم” مراراً للوصول إلى المجالي كي لفهم منه موقفه من القضيّة بشكلٍ عام، لم تستطع ذلك بسبب إغلاق هاتفه الخلوي، وكذلك حاولت الاتصال ببعض مسؤولي الأمانة، لكن لم يجيبوا نهائيّاً.

ردود الأفعال على الحادثة

ما زالت القضيّة فاعلة ومُتداولة إلى الآن في الوسط الثقافي الأردنيّ، فثمّة من يدافع عن المجالي واصفا إيّاه بـ”المثقّف العملاق”، مروّجين لمقالاته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، “فيس بوك” و”تويتر” التي يجدونها تؤكّد ولاءَه للأردنّ، مثل مقالة بعنوان “أدرينالين”، يصف فيها حبّه للملك عبد الله الثاني، ومنها:

“ذات يوم كنت أشاهد التلفاز الأردني وهو يبث تقريرا في أحد مقاهي عمان عن زيارة الملك لعشائر البلقاء، وفي لحظة شعوري بالأدرينالين الذي تدفق وسال في الشرايين.. وأنا أشاهد الناس باللباس البدوي تطوق الملك أدار العامل الوافد في المقهى قرص التلفاز على مباراة برشلونة.. وساعتها ودون أن أدري قذفتهُ بـ (المكتات) وبكاسات الماء وبكل شيء سقط في يدي”.

مُبرّرا فعلته هذه بسبب غضبه من عامل المقهى لأنّه أدار عن التقرير إلى موضوعٍ آخر، وفي حادثةٍ أخرى أيضا، أخذ يُطلقُ الرّصاص وهو يقود سيارته في الطريق العامّة لسماعه أغنية تتحدثّ عن الفداء من أجل الملك والوطن.

فيما اعتبر أمين عمان، عقل بلتاجي، أن المجالي يُعدُّ إضافة نوعية لمركز الحسين الثقافي.

وبيّن، الأربعاء، أنه بالرغم من وجود عدة ملاحظات من جهات معينة على عمل المجالي “إلا أن المركز لم يشهد بتاريخه فعاليات ثقافية مميزة مثل ما يشهده الآن”.

وكانت بعض الرّدود من الآخرين أنّ هذا ليس فعلاً يليقُ بشخصٍ في منصبٍ ثقافيّ، مُبدينَ تضامنهم مع الفنّانين والموسيقيّين، فأقاموا، الإثنين، مؤتمراً شاملاً يُطالبُ بإصلاحٍ ثقافيّ داعين إلى تسليم المناصب الثقافية لمن يستحقّها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث