زيناتي قدسية: عروض “المونودراما” الملفتة قليلة

زيناتي قدسية: عروض “المونودراما” الملفتة قليلة

دمشق_ تشير المصادر الحديثة إلى أن تاريخ مسرح المونودراما في الوطن العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين، بدأ بمسرحية “حال الدنيا” التي كتبها الشاعر والكاتب السوري الراحل ممدوح عدوان، وقدمها (مخرجا وممثلا) الفنان الفلسطيني القدير زيناتي قدسية.

ذلك أن هذه المسرحية شكلت، حسب النقاد، ولادة حقيقية للمسرح الفردي “المونودراما” في المشرق العربي، وكانت آخر مسرحية قدمها قدسية من نوع “المونودراما”، العام الماضي بعنوان (أبو شنار) عن نص كتبه هو، ليكون منجزه في هذا المجال عشرة عروض مختلفة خلال ما يزيد عن ربع قرن من عمر التجربة التي تحولت إلى تيار مسرحي بسرعة مذهلة، واشتعلت كالنار في الهشيم على الصعيد العربي عموما، وأصبح لها مهرجانات متعددة في عدد من البلدان العربية، أهمها مهرجان الفجيرة الدولي للمونودراما، الذي تنطلق فعالياته الاثنين.

إرم التقت الفنان قدسية وحاورته حول تجربته في مسرح “المونودراما”، ورأيه في هذا الفن الصاعد في الوطن العربي، فكان هذا الحوار..

– نسألك بداية، هل تجربة “المونودراما” في العالم العربي تجاوزت تجربتك في (مسرح أحوال)؟

لا، لم تتجاوز تجربتنا في (مسرح أحوال)، ولم تصل حتى إلى نصف مستواها حتى هذه اللحظة، والذي لديه رأي مختلف فليطلعنا عليه ولكن هذا لا يلغي حقيقة أن بعض الفنانين العرب قدموا عروضا ملفتة ومتميزة، ولكنها قليلة ولا تتجاوز عدد أصابعي…

وإذ حدث تجاوز بالمعنى الحقيقي فهو حدث في تجربتنا نفسها، إذ قمنا بمراجعة شاملة ودقيقة لتجربة 18 عاما امتدت من عام 1985 إلى عام 2003 راجعنا فيها مسألة البنية النصية في “المونودراما”، ومسألة الموضوع والإخراج والتمثيل والتلقي… ثم عكفنا سنة كاملة على كتابة نص جديد على أرضية استخلاصات تلك المراجعة، فأنتجنا (غوايات البهاء)، و(كأس سقراط الأخيرة)، ثم (أبو شنار)، وبقي الحال على ما هو عليه عربيا… بل أسوأ…

-برأيك لماذا لم يتحقق هذا التجاوز؟

لأنهم لم يستطيعوا إخراجها من عبارة “الحكواتي الرديء”… لأنهم دخلوا إلى معركة دون تدريب ولا أسلحة وبلا أي خبرة… فخسروا الميدان من الجولة الأولى، ولم يستطيعوا تجاوز حتى الخطوط الخلفية… صحيح أن “المونودراما” اندلعت كالنار في الهشيم كما تفضلت… ولكنها حرقت أصابع الكثيرين… والذين ما زالوا يتعاملون معها اليوم يسيرون فوق حقل أجرد لا حياة فيه… كما أني حذرت من الوقوع في هذا المطب أو الفخ، قبل افتتاح “حال الدنيا” عام 1985 من القرن الماضي، ولكن!!!.

– إذا استثنينا القلة التي أشرت إليها، فهناك إذن من أساء “للمونودراما”؟

المجاملة في هذا الإطار أكثر ضررا من الكذب نفسه، الكذب على الذات والآخر.. نعم، هناك من أساؤوا لها جدا وهم كثر.. أساؤوا لها في المبنى والمعنى (كتابة)، وأساؤوا لها إخراجا وتمثيلا، وأساؤوا لها متابعة وتأريخا! ونقدا، هناك كم كبير من نصوص “المونودراما” التي تكتب وتفسر وبعضها يعرض على المسارح العربية وفي سورية أيضا لا تحمل أي قيمة فكرية وجمالية، مجرد صرخات وتشنجات مزعجة، في فضاءات أكثر إزعاجا، مواضيع باهتة، كالحة، لا طعم لها ولا لون ولا رائحة، ولا تعني إلا صاحبها أو صاحبتها، وهي أكثر رداءة من أردأ الهرطقات التلفزيونية الهابطة، شاهدت وقرأت الكثير الكثير من “المونودرامات” من المحيط إلى الخليج، ويصلني كل عام عدد لا بأس به من هذه النصوص، ومن كافة العواصم والمدن العربية… شخصيات غريبة عجيبة! معظمها أقرب إلى الجنون إن لم تكن مجنونة بالمعنى السلبي للكلمة، تبدو معتوهة! وتعاني من “عَمَهٍ عقلي”، وليست شخصيات إنسانية سوية تعيش أزمة أو مشكلة حقيقية وتقدم رؤية فكرية وجمالية تحترم نفسها والآخر… هؤلاء المسيئون كثر، وهم بلا أدنى ريب أنصاف موهوبين، وأرباع موهوبين وعديمو الموهبة، متخمون بالدونية، وأسرى لنزعات غريبة يصعب تصنيفها، تتاح الفرصة لأحدهم أو إحداهن، فيقدم مهزلة أو مهزلتين ثم يمضي إلى غير رجعة، دون أن يفكر ولو للحظات في ما أحدثه من إساءة وإفساد للذائقة الجمالية والفكرية التي يسعى المبدعون الحقيقيون على قلتهم للارتقاء بها إلى مستويات أعلى وأكثر ألقا.

ومن هؤلاء من يكتب نصا واحدا، أو يخرج أو يمثل عرضا واحدا فقط من باب “الإدلاء بدلوه!”.. وكنت سمعت بإذني أحدهم يقول لزميلة له ونحن نخرج من مسرح “القباني” بدمشق، بعد مشاهدة عرض “مونودراما” وكان يحدثها بالعامية طبعا، يقول لها: “أهذه هي “الميلودراما”؟!” انتبه، يقول “الميلودراما”! ثم يكمل: “هذه عملية سهلة، ولا تحتاج لكل هذا الضجيج… وهي ليست حكرا لفلان.. أو امتيازا لعلان. وأنا أستطيع أن أقدمها كالمقبلات قبل الوجبة، أو في الاستراحة بين شوطين”.

وأحدهم، وهو اسم معروف في المسرح في سوريا، قال لي شخصيا دون أدنى تردد، والله على ما أقول شهيد قال: “ليس عندنا نشاط في الفريق خلال شهرين، لذلك سوف نتسلى على مونودراما”. قالها بالعامية “مونودرامايه”… وقدم “المونودرامايه” فعلا، وفي دمشق، ولا تسألني كيف كان العرض!!!.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث