الفرنسي جان جينيه.. “أربع ساعات في شاتيلا”

الفرنسي جان جينيه.. “أربع ساعات في شاتيلا”

دمشق- يعد الكاتب والشاعر والمسرحي الفرنسي، جان جينيه (1910 – 1986) من أبرز الشخصيات الدولية المناصرة لقضايا المظلومين، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ما دفعه للقتال إلى جانب الفلسطينيين بالنص والموقف السياسي الشريف والأخلاقي، ونصه هذا، الذي تنشر إرم مقتطفات منه، في اليوم الذي يوارى فيه مجرم الحرب، “سفاح صبرا وشاتيلا” الثرى، يعد أشهر نص عن مجزرة “صبرا وشاتيلا”، وفيما يلي مقاطع مختارة منه:

“كانت “إسرائيل” قد تعهدت أمام فيليب حبيب، ممثل الحكومة الأمريكية، بألا تدخل بيروت الغربية، وتعهدت بالأخص أن تحترم سكان المخيمات الفلسطينية المدنيين، وقد وعد حبيب عرفات بإطلاق سراح تسعة آلاف سجين معتقلين في “إسرائيل” … والخميس بدأت مذابح شاتيلا وصبرا، “حمّام الدم الذي زعمت “إسرائيل” بأنها تريد أن تتجنبه عن طريق فرض النظام في المخيمات!…” قال لي ذلك كاتب لبناني.

(سيكون جدّ سهل على “إسرائيل” أن تتخلص من كل الاتهامات، فقد شرع، ومن الآن، صحافيون في جميع الصحف الأوروبية، في تبرئة ذمة الإسرائيليين: لا أحد منهم سيقول بأن الحديث، خلال ليلتي الخميس والجمعة، كان يدور باللغة العبرية داخل مخيم شاتيلا)، هذا ما قاله لي كاتب لبناني.

منذ انقطعت الطرق، وصمت الهاتف، وحرمت من الاتصال بالعالم، أحسستني، لأول مرة في حياتي، أصير فلسطينيا وأكره “إسرائيل”.

في المدينة الرياضية، بالقرب من طريق السفارة الكويتية – شاتيلا، وهو الملعب الذي تهدم تقريبا بسبب قصف الطائرات، كان اللبنانيون يسلمون للضباط الإسرائيليين أكداسا من الأسلحة، كلها مخربة عن قصد فيما يظهر.

وفي الشقة التي أسكنها، كل واحد له جهاز راديو، نستمع إلى إذاعة الكتائب، وإلى إذاعة “المرابطون”، وإذاعة عمان، وإذاعة القدس (بالفرنسية)، وإذاعة لبنان، ولا شك أن الشيء نفسه كان يتم في كل بيت…

هنا في أطلال شاتيلا لم يعد يوجد شيء، بعض العجائز، صامتات، أغلقن على أنفسهن وراء باب علقت عليها خرقة بيضاء، وفدائيون، جدّ صغار، سأقابل بعضهم، فيما بعد في دمشق …

كانت وحدة الموتى، في مخيم شاتيلا، أكثر بروزا لأن لهم إشاراتهم، وأوضاع لم يهتموا بتحديدها، ماتوا كيفما اتفق، موتى مهملون، ومع ذلك كنا نحس، داخل المخيم ومن حولنا، كل عواطف المودة والحنان والمحبة لدى الأشخاص الذين ينتقلون باحثين عن الفلسطينيين الذين لم يردوا أبدا على تلك العواطف.

كيف نبلغ أقاربهم الخبر، أقاربهم الذين رحلوا مع عرفات، واثقين بوعود ريغان وميتران وبيرتيني الذين طمأنوهم بأن أي سوء لن يصيب سكان المخيمات المدنيين؟ كيف نقول بأن هناك من ساعد على ذبح الأطفال والشيوخ والنساء، ثم تركوا جثثهم بدون صلاة؟ كيف نبلغهم بأننا نجهل أين قبروا؟.

إن المذابح لم تتم في صمت، وتحت جنح الظلام، فقد كانت الآذان الإسرائيلية مضاءة بصواريخها المنيرة، مصغية إلى ما يجري في شاتيلا، وذلك منذ مساء يوم الخميس، يا لها من حفلات ومن مآدب فاخرة تلك التي أقيمت حيث الموت كان يبدو وكأنه يشارك في مسرات الجنود المنتشين بالخمرة وبالكراهية، ولا شك أنهم كانوا منتشين، أيضا، بكونهم قد نالوا إعجاب الجيش الإسرائيلي الذي كان يستمع، وينظر، ويوبخ المترددين في قتل الأبرياء، إنني لم أر هذا الجيش الإسرائيلي رؤية العين والأذن، غير أنني رأيت ما فعله …

لقد أمضيت أربع ساعات في شاتيلا، وما تزال في ذاكرتي أربعون جثة تقريبا، وهي كلها _ أُلحُّ أنها كلها _ قد تعرضت للتعذيب غالبا، وسط نشوةِ المُعذِّبين، وأغانيهم، وضحكاتهم، ووسط رائحة البارود.

لا شك أنني كنت وحيدا، أقصد أنني كنت الأوروبي الوحيد (مع بعض العجائز الفلسطينيات اللائي ما يزلن يتشبثن بخرقة بيضاء ممزقة، ومع بعض الفدائيين الأشبال دون أسلحة)، لكن لو أن هؤلاء الأشخاص الخمسة، أو الستة، لم يكونوا موجودين هنا، واكتشفت وحدي تلك المدينة الصريعة المُجَندلة، والفلسطينيين الممدّدين أفقيا بجثثهم السوداء المتفحّمة، لكنت قد صرت مجنونا، أم أنني صرت بالفعل مجنونا؟ هل تلك المدينة المهشمة المحطمة التي رأيتها، أو ظننت أنني رأيتها، وتجولت فيها، وهي محمولة على رائحة الموت القوية، كانت، بالفعل موجودة.

إنني لم أرتد ولم أسبر سوى جزء محدود من شاتيلا وصبرا، ولست متأكدا من أنني فعلت ذلك بالقدر الكافي”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث