طلال فيصل: حياة نجيب سرور تختصر فترة ما بعد النكسة

طلال فيصل: حياة  نجيب سرور تختصر فترة ما بعد النكسة

القاهرة- “سرور” هو عنوان رواية الكاتب المصري طلال فيصل ، تناول فيها حياة المبدع نجيب سرور، ورصد حياته خلال الفترة التي دخل فيها مصحة الأمراض العقلية بتهمة الجنون.. في هذا الحوار يحكي الكاتب عن تجربته في كتابة هذا العمل الذي يتلامس مع السيرة الذاتية، وعن السبب في اختياره لنجيب سرور تحديدا ليضع حياته في رواية.

– لماذا اخترت “نجيب سرور”، ليكون محورا لعملك الروائي؟

• أنا مُغرم بالشخصيات التي تختصر حياتُها فترة زمنية كاملة عاشتها. في رواية “سرور” يمكنك أن ترى ، بوضوح ، كم كانت حياة نجيب سرور هي المختصر المفيد لفترة ما بعد النكسة، النصف الثاني من الستينات. صداماته وانكساراته الشخصية ومعاركه هي انعكاس بالغ الوضوح لما عاشته مصر في تلك الفترة. ذلك الزيف أو الصراع أو انكشاف الوهم الذي عاشه المصريون وقتها. هنا تُمكنك الرواية من رؤية المجموع في الفرد، ويمكن فهم الخلفية التاريخية على نحو أعمق.

– إلى أي حد كان هناك استخدام للسيرة الذاتية لسرور في عملك الروائي؟

• هذا العمل أولا وأخيرا رواية .. تنتمي لنوع الرواية المعروف بـ “رواية السيرة” وهو نوع أدبي مُستقر ومتعارف عليه في الحياة الأدبية الغربية، ولا يخلو عام في المكتبات الفرنسية أو الإنكليزية – مثلا – من عدة عناوين تنتمي لرواية السيرة الذاتية. هذا الفن – باختصار – هو الانطلاق من حياة شخصية حقيقية معروفة وبناء رواية فنية وذلك باستخدام الخيال والتفاصيل الحقيقية، لتقديم عالم روائي كامل، يُعبر عن رؤية كاتبه. بهذا المنطق، التزمتُ بالكثير من التفاصيل الحقيقية في حياة نجيب سرور، ولكني كنت حرّا، كذلك، في إضافة شخصيات متخيلة أو تفاصيل فنّية. في النهاية، أنا أكتبُ رواية، وأقدمُ “نجيب سرور” الذي يخصّني. القاعدة التي التزمتُ بها هي بيت أبي العلاء المعرّي (لا تظلموا الموتى وإن طال المدى/ إني أخافُ عليكم أن تلتقوا) لا أريد حين ألتقي بنجيب سرور في حياةٍ أخرى أن يعاتبني أو يتهمني بعدم الإنصاف فيما كتبت!

– ألقت نكسة 1967، ظلالها على العمل الروائي، خاصة في اختيارك رصد حياة سرور في مرحلة اتهامه بالجنون، هل كان هذا حاضرا في ذهنك لحظة الكتابة؟

• بالطبع.. الرواية تركز على تلك الفترة في حياة سرور عقب النكسة، حيث توالت عليه أزمات شخصية بالإضافة للوضع العام المحبط في البلاد، وانتهى الأمر بالمشي مُشردا في شوارع القاهرة، وإيداعه مصحة الأمراض العقلية لفترة ما، وفي هذه الفترة كتب قصيدة “أميات” تعبيرا عن احتجاجه وسخطه على هذه الأوضاع جميعها. هنا يمكنك أن ترى النكسة متمثلة في نجيب سرور، وترى نجيب سرور متمثلا في النكسة.

– الرواية فيها لعبة روائية تتعلق بكتابة رواية عن السيرة الذاتية، وهذا النوع فيه خيال ورؤية، كيف راودك التفكير للكتابة في هذا النوع؟

• هذا ما فعلته من قبل في روايتي الأولى “سيرة مولع بالهوانم” (حيث كنتُ – في الرواية – مدرسا للأشعة بطب القصر العيني، وهو ماليس حقيقيا تماما) وما سأفعله لاحقا في عدة روايات، بعيدا عن رغبتي الشخصية في اللعب (وهي رغبة مشروعة فيما أظن) لكني كذلك أحاول التأكيد على فكرة تشغلُني كثيرا ويشغلُني توضيحها؛ الفارق بين الشخصية الحقيقية في الواقع، والشخصية الروائية داخل الكتاب، حتى وإن كانت هذه مستوحاة من تلك. نحتاج كثيرا أن نؤكد على فكرة بديهية، وهي أن الرواية تُقرأ في سياق كونها رواية، ليست باعتبارها بابًا للتلصص على حياة شخصية، أو كتابا في التاريخ، أو دراسة في علم الاجتماع. الشخصيات الروائية منفصلة عن مرجعياتها؛ هنا لا يكون مهما من هو طلال فيصل الحقيقي، المهم هو “طلال فيصل” الشخصية داخل الرواية، لا غير!

– من وجهة نظرك لماذا هذا النوع غير منتشر بين الكتاب العرب؟ وهل من الممكن أن يحظى بالرواج؟

• أظنّ أن السبب الرئيسي لعدم وجود رواية السيرة في الأدب العربي هو التعامل مع الرموز بنوع من التقديس والاحترام المثالي، يمكنك مثلا تذكر مسلسل مثل “أم كلثوم” (مع كامل الاحترام لصناعه طبعا) كيف تمّ تقديم شخصية مثل أم كلثوم بطريقة مدرسية تماما، في حين أن الدراما تنبع بالأساس من الصراع التوتر بين الشخصيات وبعضها البعض، أو بين الشخصيات وبين نفسها. في “سرور” أحاول كتابة رواية بالمعنى الفنّي، الذي لا يستقيم مع ذلك الطرح المدرسي المثالي الرومانسي للشخصيات التاريخية (بالرغم مما قد يجرّه ذلك من مشاكل) أظن أن هذه هي الفضيلة الأولى للثورات التي قامت في هذه المنطقة، كسر حاجز الخوف، والجرأة على التساؤل، والقدرة على النقد أو السخرية؛ هدم تلك الجدية المصطنعة التي كانت تُفرض علينا طول الوقت، ودون مبرر!

– هل واجهتك عقبات في جمع المادة التاريخية عن “سرور”، وهل هناك اعتراض على طريقة تناولك من الشخصيات القريبة من “سرور” ومازالت على قيد الحياة؟

• لم يكن هناك عقبات. بالعكس، أسرته – خاصة زوجته الروسية وابناه ساعدوني جدا في البحث ومنحوني وقتا أشكرهم عليه..كذلك استفدت من أطبائه النفسيين الحقيقيين، الدكتور شوقي العقباوي – والغريب أنه توفي بعد انتهائي من التسجيل معه بيوم واحد! وكذلك الدكتور محمد رمضان وكمال الفوال.

– هل لديك مشروع جديد في ذات الاتجاه؟

• أعمل حاليا على رواية “بليغ”، والتى تدور حول الموسيقار الراحل بليغ حمدي، والفترة التي قضاها هاربا في باريس. والرواية المفترض صدورها العام القادم، تعيد اكتشاف تلك الفترة المجهولة في حياة الموسيقار الشهير، حيث قضى عدة أعوام في منزله بباريس، هاربا من الحكم بالسجن؛ الصادر ضده بعد اتهامه بمقتل المطربة المغربية سميرة مليان عام 1980، وسأنطلق الأسبوع القادم لزيارة منزل بليغ حمدي في باريس، ومستشفى جوستاف روسيه التي توفى فيها هناك، كذلك لإجراء حوارات مع جيرانه هناك، بالإضافة للفنانين والأقارب الذين شهدوا تلك الفترة في حياته.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث