مهنّد السّبتي يزاحمُ الضّوء ليجرحَ الظّلمات

مهنّد السّبتي يزاحمُ الضّوء ليجرحَ الظّلمات
المصدر: عمّان- (خاص) من فوزي باكير

مُنذُ بدايتِها، ومن خلال عنوانِها الـمُلفِت، الذي يُفجّر في القارئ العديد من التّساؤلاتِ الـمُلتبسة والمثيرة، تُطلُّ المجموعة الثّانية للشّاعر مهنّد السّبتي، “أيُّنا الدّخيلُ أيُّها الضّوء؟”، مُتدفِّقةً بهذه التّساؤلاتِ على مدار أغلب قصائد المجموعة، لتطرحَ بمُجملِها استفهامًا مُلحًّا ينتصرُ للحياةِ وللجمال، حائرًا في وجهِ مَن يبتكرُون الشّرَّ والـحُروب.

ولعلَّ السّؤال الأوّل، أيّ عنوان المجموعة، التي صدرت عن “الأهليّة للنّشر والتّوزيع / الأردن”، بحدّ ذاتِه جدليٌّ ويفتحُ أبوابَ التّأويلِ على الكثيرِ من الاحتمالات الـمُرتَبطة بماهيّة هذا التّساؤلِ الذي لا يكفُّ عن الإلحاحِ بصيغتِهِ الوجوديّة، إذ تذهبُ لوضعِ الحقيقةِ تحت مقصلةِ السّؤال الذي لا هوادةَ فيه، فهو تحقيقيٌّ صارمٌ، “أيّنا الدّخيل أيُّها الضّوء؟”، فـ”أيُّنا” تفرضُ الـحزمَ في الاختيارِ بين أمرين أو أكثر، ولحقتها كلمة “الدّخيل”، بمعناها الذي يُفيدُ وجود غريب سلبيّ الأثر على الأغلب، ثمّ تأتي “أيُّها”، وهي أداة نداء للمُخاطَب، تُستخدم لتَوكيد السّؤال للجهةِ الـمُخاطبةِ، ثُمَّ يفاجئنا صاحبُ “سمِّني ما شئت”، بهذه الجهة، وهي “الضّوء”!.

قد يكونُ التّساؤلُ الأوّل الذي يطرحه الـمُتلقّي لنفسِه بعدَ قراءةِ هذا العُنوان: هل الضّوءُ، بالأصلِ، دخيلٌ؟ وكيفَ لهُ أن يكونَ كذلكَ؟ وقد يسأل أيضًا: من الذي يطرحُ سؤالًا كهذا على الضّوءِ، أليست العتمةُ؟ أم أنَّه ضوءٌ من نوعٍ آخر، يجدُ نفسه جديرًا بأن يكونَ الضّوءَ الحقيقيّ، بافتراضِ أنّ الضّوءَ الـمُخاطبَ مزيّفٌ مثلًا؟

هذه التّساؤلات، وأكثر، يختزلُها السّبتيّ، بهذا العنوان، والتي بالضّرورةِ تفتحُ للإنسانِ نوافذَ على عوالمَ شعريّةٍ تُجيبُ عن المزيدِ والمزيدِ من الأسئلة والمفاهيم الحياتيّة واليوميّة الـمُتعلِّقة بوجودِه، وما يقابلُهُ مِن أضداد تحاول إلغاءَه.

جعل السّبتيّ من المقطعِ الآتي عتبةً لمجموعتِهِ: “من منّا/ سيُهدي الحياةَ/ ضحكةً من قلبِها/ ثُمَّ يموت؟”، ليضعَ القارئ مرّةً أخرى أمام تساؤلٍ قد يُثقلُ كاهلَهُ، ليس لأنّه عصيٌّ على الفهمِ أو غامضٌ، لكنّه يجرُّ من يقرأه إلى التّفكير مليًّا، لأنّه سيجدُ نفسَه مسؤولًا عن منحِ المحبّة والفرحِ، لأنّه سيسعى جاهدًا لتكونَ الإجابةُ “أنا..”، أيّ أنّ الشّاعرَ هُنا يجد أنّ الإنسانَ تتحقّقُ “أناهُ” من خلال هذا السّعيّ.

وإن وقفتُ أكثرَ عندَ هذه العتبة، فهي حقيقةً تكرّرت في المجموعةِ مرّتين؛ مرّةً كعتبةٍ لها، وفي الأخرى جاءت كمقطعٍ في قصيدة “كلُّ ما قيلَ كان حلوًا”/ ص65، ويُكمل السّبتيّ تساؤلَه بعدَ “ثمّ يموت”: “أنتَ أم أنا؟ / أم كلانا معًا؟”، سؤالٌ جديدٌ هُنا، يعودُ بنا لاسمِ المجموعةِ، تحديدًا إلى “الدّخيل”، “أنتَ أم أنا؟”، “أم كلانا معًا”، “أيُّها الضّوء”؟!.

ضمن هذا السّياق، راحَت القصائدُ لدى السّبتيّ، المولود في مدينة بنغازي/ 1981، تذهبُ نحو الحوار، المونولوجات الدّاخليّة والخارجيّة، وهذا تجلٍّ طبيعيٌّ في المجموعة، لتُحاكي عنوانها بشكلٍ ذكيٍّ، يدلُّ على تعدُّد صورِ التّساؤلِ الأوّلِ بشكلٍ لا ينتهي فيها، فيجلسُ الشّاعرُ على الكرسيّ المقابل لـ”أناه”، ويطرحُ عليها الأسئلة مُصرًّا على توجيهها نحو الضَّوء، نحو الدُّروب التي تؤدّي للإنسانِ، نحو اليد التي تقطفُ الخوف والحزن، لتمنحَ بدلًا عنهما السّكينةَ والاطمئنان: “متى ستذوبُ في دمي أيّها الضّحك؟/ متى سأضعُ يدي بيدكَ/ ونمشي معًا/ في شارعٍ مُزدحمٍ / دون أن يطأنا اللومُ بأقدامِه؟”.

و”أنا” الشّاعرُ هُنا ليست ذاتيّةً شخصيّةً، وإنِّما هي صوتُ الجُموع، هي “أنا” الإنسان، هي هواجسهُ وتحدِّيه ورفضِهِ لكلِّ الأبواب الـمُغلقةِ، ليقتحِمَها مانحًا الحياة تلك الضّحكة، لتكونَ ضوءًا حقيقيًّا، يقضي على الظّلمةِ: “بابُ المنزلِ أضيقُ من أن يُدخِلَ حُبًّا/ إنّه تابوتُ أحدِهم منسيٌّ/ أو مسروقٌ/ تطرقه لعاناتُ الميت”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث