الفيتوري الفارس الأسمر يترجل عن صهوة الشعر

الفيتوري الفارس الأسمر يترجل عن صهوة الشعر

إرم (خاص) – من سامح كعوش

رحل الفيتوري ابن إفريقيا، ابن مصر واسكندريتها التي أنجبت العباقرة والعظماء والشعراء، ابن السودان العظيمة بشعرائها وروائييها ومفكريها، نبض إفريقيا بالشعر والنثر والماء والنهر معاً، وهو الذي أنشدها أجمل أشعاره في مجموعته الشعرية “أغاني إفريقيا”، وناجاها بروحه الهائمة في عشقها في مجموعته “عاشق من إفريقيا”، وها هو اليوم في لحظة رحيله يحضر روحاً ومفردةً أزلية البقاء، كما قالها عام 1965، يقولها الآن “أذكريني يا إفريقيا”.

الفيتوري كان الشاعر المغاير، كان نبضاً في مفردة، عربياً إفريقياً منتمياً إلى فضاء كوني لا تحده الحدود، ولا تتقاسمه نزعات الخصومة والتشرذم، بل تجتمع فيه وعنده القوافي، ملامسةً الجرح العربي ببلسم الكلمات في أقاصي المغرب كما في أول المشرق، وبينهما فلسطين التي عاشت في قلب الفيتوري حتى النبض الأخير.

الفيتوري كان صرخةً إفريقيةً عربيةً ضد حالين: حال الانقسام والضعف العربي وحال الاستعمار والاستعباد الغربي لقارته السمراء، وهو في الحالين كان المحارب الشجاع، كما في رؤيا قبائل غرب وجنوب الصحراء، كما في أساطير الأفارقة والعرب معاً، كما في نسبه وجيناته التي ورثها وهو العربي أولاً، فهو لا يقبل بالعبودية بعد الآن، ولا يوقعه ذلك في عنصريةٍ مقيتة، بل إنه بذلك يمتلك المفتاح إلى عالم إنساني أكثر وعياً وإيماناً بوحدة الأصل رغم أكفان الدجى التي تعميه عن رؤية الحق والحقيقة، يقول في مجموعته “أغاني إفريقيا”:

“يا أخي في الشرق، في كلّ سكن

يا أخي في الأرض في كلِّ وطن

أنا أدعوكَ فهل تعرفني؟

يا أخاً أعرفه، رغم المحن؟

إنني مزّقت أكفان الدجى

إنني هدمت جدران الوهن

لم أعد مقبرةً تحكي البلى

لم أعد سايقةً تبكي الدمن

لم أعد عبدَ قيودي

لم أعد عبد ماضٍ هرمٍ، عبدَ وثن”.

نستعيد الآن هذا الفيتوري الغائب، كأننا نقف في حضرته، حضرة مفردته المتألقة حتى السماء، في بحثه عن خلود الشعر لا ذات الشاعر، خلود تلك الصرخة في وجه الهباء، خلود ذاك البهاء الشعري القائل بالانتماء للوطن، ثم يكون الضياع في سعينا لتغليبه أولاً على ذواتنا ومصالحنا الضيقة، إنه الشاعر العريق، العميق المفردات كأنه يرى في يومه قبل ثلاثين عاماً أو أكثر، لحظة فراقه إيانا الآن، يخاطب ذاته الحائرة في محاولة الحفاظ على الوطن، الوطن الإنسانية جمعاء، وهو القائل:

“خارجاً من دمائك

تبحث عن وطنٍ فيك

مستغرق في الدموع

وطنٍ ربما ضعت خوفاً عليه

وأمعنت في التيه كي لا يضيع

أهو تلك الطقوس؟”.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث