ألفارو موتيس يودع الحياة والروايات والبحار..

ألفارو موتيس يودع الحياة والروايات والبحار..

ألفارو موتيس يودع الحياة والروايات والبحار..

 

أبو ظبي ـ (خاص) من إبراهيم حاج عبدي

“رائع. هذا يكاد أن يفي عبده حقه”، بهذه العبارة المشجعة التي يتفوه بها شقيق الروائي والشاعر الكولومبي الفارو موتيس حين سمع بمشروع شقيقه، ينصرف موتيس إلى تحقيق هذا الوعد وفاء للصديق اللبناني عبده بشور الشخصية الخيالية التي تحتل صفحات الرواية التي تحمل اسمه، ووصفه “الحالم بالسفن” والصادرة عن دار المدى بترجمة صالح علماني.

 

يبذل موتيس – الحائز عام 2001 جائزة سيرفانتس الرفيعة في الأدب الاسباني – جهداً كبيراً في الإيحاء بأن شخصية بطل الرواية واقعية، عبر تقنية روائية تستند إلى “الوثيقة” المختلقة، ويعتذر الراوي أحياناً لغياب بعض التفاصيل، كما يعتذر عن عدم دقته في ترتيب الأحداث زمنياً، ولا يخامر المرء الشك في أن هذه الشخصية وإن تكن خيالية، لكنها تقدم كنموذج لمهاجرين لبنانيين استوطنوا في بلاد الاغتراب، وخصوصاً أمريكا اللاتينية التي يحفل أدبها بأسمائهم وشخصياتهم في صورة عابرة وثانوية، لكن في هذه الرواية نحن إزاء شخصية كتبت لها الرواية خصيصاً.

 

بطل الرواية عبده بشور هو صديق الراوي، وكذلك صديق لبطل روايات موتيس جميعها الشخصية المغامرة الغافيرو ماكرول. الصدفة كما يدعي الراوي هي التي قادت إلى كل هذا السرد الآسر، ففي لحظة انتظار طويلة في محطة إسبانية للقطارات يلمح الراوي وجهاً لبناني الملامح و”اليد واللسان”، وجهاً ينتمي تناسقه إلى الزمن الذي توغلت فيه بلاد الإغريق إلى الشرق. صوت مخملي، وردود أفعال فيها الكثير من الملامح البيزنطية، إنها فاطمة شقيقة عبده ذات الكتفين المستويين يمنحانها نفحة عسكرية، والتي أيقظت في أعماق ذاكرة الراوي موجة من الذكريات غير الغامضة. تتعهد الشقيقة بأن ترسل له كل ما يتعلق بشقيقها من رسائل وصور ووثائق تتعلق برحلاته وأعماله كي تكون مادة لرواية يعتزم كتابتها.

 

 

شخصية ملحمية

من بين الوثائق والصور المرسلة تسترعي اهتمام الراوي صورة يظهر فيها طفل في الثامنة يتأمل باهتمام ذاهل كومة من الحديد المهشم المحروق لطائرة سقطت على الأرض للتو ما زال يتصاعد منها الدخان، وفي أقصى المشهد يمكن رؤية جبال لبنان المكللة بالثلج. ولكن لماذا هذه الصورة تحديداً؟ لأن نهاية الرواية تخبرنا بأن عبده بشور مات في فونشال إثر انفجار الطائرة التي كانت تقله، واحتراقها لدى الهبوط، وكأن ذاك الطفل الساهم كان يراقب – آنذاك وقبل عقود – بعينيه البدويتين الحولاوين موته المقبل على جناحي طائرة، وهو ما يلمح إليه ماكرول:”كل واحد منا يعكف على غرس، واختيار، وسقاية، وتشذيب، وصياغة موته الخاص”.

 

تعيد شخصية عبده بشور إلى الأذهان تلك الشخصيات الأسطورية الملحمية التي تصارع القدر لتصنع قدرها الخاص، ولعل المثال الأقرب لها هي شخصية “زوربا” في رواية نيكوس كازانتزاكيس المغامرة والحالمة التي تصغي إلى صوت الرغبة أكثر من صوت العقل، وتبحث عن توازن داخلي اكثر من بحثها عن التوازن مع المحيط.  عبده بشور لا يبتعد كثيراً عن هذا المنحى، فهو رجل يحمل طيبة مخبأة في أعماقه جاهزة للمزاولة على الدوام، ليس له قانون سوى ذاك الذي تمليه عليه مشاعره، فمورثاته البدوية تدفعه إلى فرض قوانينه الخاصة. عاش حياة شديدة الاضطراب والقلق، لم يستطع مطلقاً أن يتقبل الأشياء مثلما تقدمها الحياة. يبرز طبعه الشرس والمتمرد عند محاولة إخضاعه لأدنى حد من العبودية. يرعى ثأره طوال الوقت اللازم ثم يتقاضاه من دون رحمة.

 

 

البؤس الذهبي

كان رجلاً – بحسب وصف الرواية – طويل القامة، في ساقيه وذراعيه طول ومتانة توحي بحيوية يتحكم بها عقل ناقد ورشيق. وجهه المرهف بتقاطيعه العادية كان يمكن أن تكون له جاذبية شرقية لولا الحول الخفيف… الشعر الأجعد والكث يبدي عند الصدغين بقعة مغطاة بشيب متمرد كثيف البياض، يتحدث عشر لغات… ويملك إحساساً بالصداقة إلى أقصى حدود الرقة والعمق… كريم من دون حساب. المجهول وحده هو ما يوقظ اهتمامه، لكنه يحتفظ في العمق بنواة لا تلين تصطدم بها كل محاولة للنيل من استقلاليته أو حرف مشاعره أو نزواته الشخصية… وسر الصداقة الوطيدة بينه وبين ماكرول كان يرتكز إلى لعبة ازدواجية متناقضة في ملامح السلوك، وأخرى متكاملة أو متشابهة تنتهي إلى خلق انسجام لا ينفصم “إنهما مثل أخوين ولكن كلاً منهما مصنوع من عناصر مناقضة للآخر”ويعيشان معاً”البؤس الذهبي”.

 

هو سليل أسرة لبنانية كانت تعمل في بناء السفن واستثمارها، وقد أورثته هذه المهنة حلماً لا يستطيع الفكاك منه: أن يمتلك سفينة بمواصفات لطالما كررها في أحاديثه، سفينة شحن مثالية رشيقة، وسريعة ذات التصميم والحجم والمحرك الذي يحتفظ به عبده في ذهنه طوال الوقت، تمخر عباب البحر من دون تلكؤ. كان حلماً ثابتاً في قدره ومتسلطاً على عقله أكثر من أي شيء آخر. لم يشأ أن يغفر لنفسه، ولو للحظة، نسيان هذا الحلم، بحث عنها في كل موانئ العالم، سأل عنها “موج البحر وفيروز الشطآن”، وهذا الإصرار قاده إلى تجارب خطيرة، وكلما اقترب موعد تحقيق الحلم تأتي اللحظة الأخيرة لتعصف بالأحلام، إذ يجد السفينة المشتهاة قد بيعت أو أنها تفكك لتباع كخردة، وهذا ما كان يحزنه “فوجود من هو قادر على تحويل عمل فني إلى حديد عتيق يدفعه إلى لعن الجنس البشري”.

 

أميرة بخارى

وعلى رغم انه امتلك سفناً كثيرة “أميرة بخارى، فيري أوف تريستا، هيلاس…”جاب بها موانئ العالم من بيروت إلى طرابلس إلى الإسكندرية، وطنجة، واسطنبول، ومرسيليا، وليماسول، وفانكوفر، وكوالالمبور وغيرها، لكن السفينة التي رست في خياله بحبال متينة من الحنين والشغف لن ترسو قط في ميناء، وكأن هذا الحلم كان شرطاً للبقاء، وذريعة للموت، فهو حين احترق مع الطائرة كان ذاهباً لتعيين سفينة أحلامه بعد محاولات سابقة كثيرة في الحصول عليها انتهت كلها بالفشل، وهذا الحلم، من دون شك، هو كناية عن تعلقه بحياة البحر مغامراً أبدياً يسعى إلى الطواف حول العالم على أجنحة الموج في زرقة البحار الشاسعة حيث الأمداء المفتوحة على التأمل والحرية والمغامرات.

 

على هامش حياة البحر مارس عبده مهناً عدة: موزع مطبوعات وصور بورنوغرافية في حلب، مورد مؤن ومأكولات في فماغوستا، متعهد طلاء سفن في بولا، مشرف على بيت للقمار في بيروت، دليل سياح في اسطنبول، مراهن مزيف لاجتذاب الغافلين في صالة بلياردو في صفاقس، مورد فتيات غريرات إلى ماخور في طنجة، منظف مراجل في طرابلس، مسؤول إداري لسيرك في ترينتو… كان لديه في الأصل نوع من الميل الماكر الى التمتع بالحياة وتحدي كمائن الحظ، ليس في سجله ما هو ممنوع أو محظور أو مستحيل.

 

يتمتع بقلب شجاع، وروح متوثبة، ورغبة عميقة باتجاه الغوص في الحياة بكل خيباتها، ومرحها، وهزائمها، وعقدها، وصخبها… والفارو موتيس يسرد كل ذلك بضمير المتكلم مستحضراً الحكاية تلو الحكاية من دون تقيد بزمن أو إشارة إلى تاريخ محدد وإن كانت الأحداث تجري في سنوات القرن العشرين حيث يقودنا موتيس إلى التعرف على مغامرات عبده الغرامية مع آرليت، إيلونا، جالينا وغيرهن، وسعيه إلى امتلاك سفينة “محطم المرايا” الذي يحاول ابتزازه وقتله فينجو بمساعدة بحارته، ويتحدث عن صفقة السجاجيد الفارسية، ورحلته مع الحجيج الذين أقلهم بسفينته من كرواتيا إلى جدة، وشحنة الأسلحة المحظورة التي نقلها من المغرب إلى أحد الموانئ الاسبانية والتي كادت ان تقود رفيقه ماكرول إلى سجن طويل، وعمله في اليونان والبوسفور وغيرها من الأحداث والوقائع التي أظهرت شخصية عبده بشور كرجل حالم يعشق الحياة ويمضي في دروبها دونما أي حذر أو شكوى، مع احتفاظه دوماً – وهنا يختلف عن ماكرول ـ بواجباته تجاه عائلته كرجل لبناني شرقي، وارتباطه بهم.

 

يخاطب ماركيز: خذ، لكي تتعلم!

تنطوي الرواية على نوع من التشويق المحبب، وفي وصف موتيس دقة وبلاغة جميلة هي اختزال مكثف لمشاهد تكاد تتحرك أمام البصر، وهذا ليس غريباً فهو أول من قدم نسخة من رواية “بيدرو بارامو” لخوان رولفو إلى ماركيز قائلاً له:”خذ، لكي تتعلم”. لغته صافية رشيقة يتفوه بها مثقف هو الراوي – الروائي موتيس فيتدفق الكلام طازجاً وسلساً مع إحالات إلى كتب، وأساطير في الثقافة العالمية. عباراته تفي بتجسيد المشهد والشخصية والمكان على اكمل وجه، وهذه الموهبة هي التي دفعت ماركيز كي يخصص موتيس بقراءة مخطوطات رواياته “أحكامه شديدة الفجاجة ولكنها شديدة العقلانية أيضاً” على حد تعبير ماركيز.

 

كتب موتيس 80 عاماً الكثير من الروايات منذ ما يزيد على النصف قرن، وهو، وفق إجماع النقاد، صاحب لغة شعرية متميزة، بدأ بنشر أشعاره منذ أواخر أربعينات القرن الماضي، وبرز كأحد ألمع الشعراء الغنائيين في أميركا اللاتينية. وعلى رغم أنه كتب ثلاث روايات في الستينات والسبعينات، إلا أنه فاجأ الأوساط الأدبية في السنوات الأخيرة بنشر 8 روايات متتالية خلال 6 سنوات، السمة البارزة فيها، كما في أعماله الشعرية والقصصية السابقة، هي استمرار شخصية بطله الدائم ماكرول الغافيرو البحار المغامر الطائش الذي أبدعه موتيس ليجوب بحار العالم المعاصر مشبعاً بمثل وأخلاق عصر آخر، وهو هنا يرسم ملامح شخصية مشابهة لماكرول هي شخصية عبده بشور، ليقدمها بجاذبية، ونكهة خاصة تميزان كتابة موتيس، ما دفع ماركيز يوماً إلى القول مخاطباً صديقه موتيس:”كم نقدرك، يا للعنة، وكم نحبك”.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث