التقاء وتعارض الإستراتيجيات في الإقليم

هل تم تشكيل فيلق القدس الإيراني من أجل تحرير القدس، أم من أجل التصدي لإنجاز أهداف سياسية ايرانية أخرى في الإقليم

التقاء وتعارض الإستراتيجيات في الإقليم

شاكر الجوهري

لم تكتف إيران بمواصلة دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد حتى اللحظة، لكنها رفضت كذلك كل النصائح التي وجهت لها بأن هذا الموقف من شأنه أن يعرض مصالحها للخطر في كامل الإقليم، بعد.. بل إن هذا بدأ قبل سقوط النظام السوري.

وقد جاءت مشاركة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب حزب الله، وتنظيمات عراقية موالية لإيران في معركة القصير الأخيرة، لتزيد من أعداد الذين يرون أن ما يجري في سوريا في أحد أهم وجوهه هو صراع مذهبي، لا مكان لفكرة المقاومة والممانعة فيه، خاصة حين يطرح السؤالان الخطيران:

• ما الذي يجمع إيران وحزب الله مع التنظيمات التي عاد قادتها إلى العراق على ظهور دبابات الإحتلال الأميركي..؟!

• هل تم تشكيل فيلق القدس الإيراني من أجل تحرير القدس، أم من أجل التصدي لإنجاز أهداف سياسية ايرانية أخرى في الإقليم..؟!

يمكن إيجاز نتائج معركة القصير في ثلاث رئيسة:

الأولى: وتبدو أقلها أهمية، تمكن النظام السوري من فرض سيطرته على مفرق طرق رئيس لدعم الثوار السوريين.

الثانية: امتداد النفوذ الإيراني عمليا من طهران إلى بيروت، مرورا بدمشق، التي تحولت من حليف مكافئ إلى حليف غير مكافئ لطهران.

الثالثة: وهذه هي الأهم.. سقوط مخرجات الدعاية الإيرانية في الوطن العربي، التي استؤنف التركيز عليها منذ توقف حرب الثمان سنوات بين إيران والعراق في 8/8/1988.

كانت طهران تركز كثيرا على الدعاية باعتبارها أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها في نشر وترويج صورة جيدة لإيران تسهل لها تنفيذ استراتيجيتها بمساعدة شعوب المنطقة.

للتذكر: يوجد في المنطقة أربع استراتيجيات:

الأولى: الإستراتيجية الإسرائيلية، وهدفها العمل على اقامة اسرائيل الكبرى عبر اضعاف العالم العربي، بما في ذلك الأنظمة التي اقامت تحالفات معها، مثل نظام حسني مبارك في مصر. هذه الإستراتيجية معنية كذلك بالحيلولة دون اقامة دولة فلسطينية.

الثانية: الإستراتيجية الأميركية، وهدفها الحفاظ على مصالحها النفطية في الإقليم أولا، وعلى اسرائيل ثانيا، باعتبارها قاعدة اميركية استراتيجية متقدمة.

وسائل تنفيذ هذه الإستراتيجية تقوم على الحيلولة دون تمكن شعوب الإقليم من الإمساك بزمام الأمور في بلدانها، والإبقاء على التفوق العسكري الإسرائيلي على دول الإقليم مجتمعة.

الأنظمة غير الشعبية مؤهلة للإنسجام مع السياسات والمصالح الأميركية أكثر من غيرها.

الثالثة: الإستراتيجية التركية، وهدفها اقامة أفضل العلاقات الإقتصادية والتجارية مع دول الإقليم قاطبة.

من خلال ذلك تمكنت تركيا من التحول من دولة استقرت طويلا في هاوية العجز المالي والإقتصادي، إلى دولة غير مدينة، ولديها فائض خرافي من الإحتياطيات المالية.. وكل هذا ساهم في صنع دور سياسي اقليمي ودولي مؤثر لتركيا.

الرابعة: الإستراتيجية الإيرانية، وهدفها استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية، عبر شعار تصدير الثورة الذي رفعته منذ انتصار ثورة الخميني في شباط/فبراير 1979.

أدوات هذه الإستراتيجية ووسائلها تتلخص في:

1.     إعلان العداء على اسرائيل.

2.     كسب ود وتأييد الرأي العام العربي والإسلامي.

3.     نشر التشيع بين مسلمي دول المنطقة خاصة، والعالم عامة.

4.     المال.. الذي تقدمه طهران بسخاء متفاوت إلى أحزاب سياسية عربية، وفصائل فلسطينية.

تكشف هذه الإستراتيجيات عن:

أولا: غياب أي استراتيجية عربية.. إذ يحل الإرتجال محل التخطيط.. وهو لذلك، ولأسباب أخر، ارتجال تراجعي للنظام العربي.

ثانيا: وجود تداخل وترابط بين الإستراتيجيتين الأميركية والإسرائيلية.

ثالثا: وجود تداخل وتعارض بين الإستراتيجيتين الإيرانية والتركية.

1.     يتمثل التداخل في الموقفين التركي ـ الإيراني من اسرائيل.

الأدوات التركية تقتصر على الدعم السياسي لحل سياسي للقضية الفلسطينية، وهو ما ترفضه اسرائيل.. فيما تتمثل الأدوات الإيرانية في الدعم المالي والتسليحي.

الأدوات الإيرانية أكثر خشونة.

2.     ويتمثل التعارض في أهداف الإستراتيجيتين.. في أن كلا من ايران وتركيا،  وكذلك اسرائيل، تتنافس على فرض النفوذ على الإقليم.. اي أن كل دولة من الدول الثلاث تنافس الدولتان الأخريان..

اسرائيليا، هذا هو هدف مشروع الشرق الأوسط الجديد لشيمون بيريس.. الهيمنة الإقتصادية.

يضاف إلى ذلك عوامل مهمة أخرى:

• تركيز إيران على نشر المذهب الشيعي باعتباره أحد أدوات استراتيجيتها الإقليمية، وتفضيلها التعامل مع حلفاء من معتنقي مذهبها، أو من مذاهب قريبة منه..!

• اهتمام تركيا بتولي الإسلاميين (الإخوان المسلمين) السلطة في دول الربيع العربي حاليا.. حزب العدالة والتنمية التركي هو الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في تركيا. لكن القيادة التركية تجد نفسها في بعض الحالات مضطرة للمفاضلة ما بين الإنتماء الحزبي، ومصالح تركيا العقدية (حلف شمال الأطلسي)..!

• رفض تركيا وأغلب الدول العربية، خاصة الخليجية، امتلاك ايران للسلاح النووي.

• تداخل المصالح الأميركية والعربية في رفض امتلاك ايران للسلاح النووي.

هذه الإستراتيجيات المتقاطعة والمتداخلة.. والمتعارضة بقدر، والمتلاقية بقدر آخر، تفرز سياسات تبدو غير مفهومة للوهلة الأولى.. خاصة في نموذجها الإيراني..

فإيران التي تعلن العداء على اسرائيل، تشترك مع اسرائيل في خلخلة الأمن القومي العربي..!

اسرائيل معنية بشكل خاص، كمثال.. في اضعاف الدول العربية الإفريقية.. آخر نماذج السياسات الإسرائيلية في افريقيا سد النهضة الأثيوبي ـ الإسرائيلي، الذي يهدف إلى الإمعان في خلخلة كل من اقتصاديات مصر والسودان، وخلق أزمة مياه خانقة في مصر.

إيران معنية بخلخلة وإضعاف أمن الدول العربية الآسيوية.. اليمن (تمرد الحوثيين)، البحرين (محاولات انقلابية ودعم المعارضة)، الإمارات العربية المتحدة (الإستمرار في احتلال الجزر)، الهيمنة على العراق عمليا من خلال الحكومة العراقية، والأحزاب الرئيسة المشكلة لها، لبنان (من خلال حزب الله)،..إلخ.

خلخلة أمن الدول العربية الآسيوية، والعمل على فرض هيمنة ايران على أكبر دولتين عربيتين آسيويتين (العراق وسوريا)، ومساهمتها في خلخلة أمن مصر عبر تمويل أحزاب جبهة الإنقاذ المعارضة للإخوان المسلمين، يأتي في سياق تمهيد الأرض أمام مد النفوذ الإيراني إلى كل العالم العربي..

أما إعلان العداء على إسرائيل، وتمويل وتسليح حزب الله والفصائل الفلسطينية، فهو الذي يضمن أن تفرض إيران، لا اسرائيل سيطرتها على العالم العربي..!!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث