حوادث السير في الضفة الغربية: مواجهة هشة

تتزايد حوادث السير في مناطق الضفة الغربية دون ان تلقى الوقاية اللازمة

حوادث السير في الضفة الغربية: مواجهة هشة

إرم – (خاص) محمود الفروخ

في العام 1896 ذهبت البريطانية بريدجيت دريسكول ضحية أول حادث مرور في العالم جراء السرعة الفائقة . وأثناء استجواب الجاني ورد على لسان المحقق الجملة التالية:” أن هذا الحادث يجب أن لا يتكرر”. هذا الحادث تكرر ملايين المرات بينما لم يجد ذلك التحذير عقلاً يتدبره أو قانوناً يحميه.

 

فالحوادث المرورية تمثل خطراً كبيراً وتحدياً دائماً لكافة مجتمعات ودول العالم باعتبارها واحدة من أهم المشكلات التي تستنزف الموارد المادية والطاقات البشرية، إلى جانب ما تسببه من مشاكلٍ اجتماعية ونفسية لأولئك الذين فقدوا معيلاً لهم أو عزيزاً عليهم، وسوى ذلك ممن وقعوا ضحية تحت سندان الإعاقة الدائمة أو الخسارة الباهظة.

 

أرقام من دم

فوفق إحصاءات منظمة الصحة العالمية لشهر سبتمبر / أيلول 2012 فإن 1,3 مليون شخص يلقون حتفهم كل عام نتيجة حوادث المرور، وتعرض 4 ملايين شخص للإعاقة دائمة، وأن هذا العدد سيرتفع إلى 1,9 مليون نسمة بحلول 2020 إذا لم تُتخذ الإجراءات الفعالة.

 

هذه الحوادث ( وفق المنظمة ) تمثل السبب الرئيس في وفاة الشباب من الفئة العمرية 15-29 سنة؛ في حين أن أكثر من 90% من هذه الوفيات تحدث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، على الرغم من أنّ تلك البلدان لا تمتلك إلاّ أقلّ من نصف المركبات الموجودة في العالم.

 

وتبين الإحصاءات أنه لا يملك سوى 15% من البلدان قوانين شاملة تتعلّق بخمسة عوامل خطر رئيسية هي: السرعة، والقيادة تحت تأثير الكحول، واستخدام الخوذات الواقية الخاصة بالدراجات النارية، و أحزمة الأمان، وأحزمة ومقاعد الأطفال.

 

غياب هذه القوانين مع محدودية ثقافة السلامة المرورية خاصة في مجتمعات العالم الثالث ستؤدي حسب منظمة الصحة العالمية إلى أن تحتل إصابات الطرق الترتيب الثالث عالمياً في 2020 في الوقت الذي تتبوأ فيه المرتبة السادسة حالياً.

 

هذا الإيجاز عن حوادث الطرق في العالم وتأثيراتها ينقلنا إلى الواقع الفلسطيني لنتعرف على هذه القضية الأزمة من حيث حجمها وأسبابها وآثارها وصولاً إلى تحديد الآليات المناسبة للحد من أضرارها على المشهد الفلسطيني بأبعاده الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وسواها.

 

هذا التحقيق سيجيب عن جملة من الأسئلة، أبرزها: ما هو الوصف الدقيق لمشكلة الحوادث المرورية في الضفة الغربية، هل هي ظاهرة متفشية أم مجرد حالات؟ وما هي أسبابها و أشكالها ومن ثم ما هي الآليات الكفيلة بالتخفيف أو الحد من نتائجها وأبعادها؟

 

قلق وتحديات

يقول الرئيس التنفيذي للمجلس الأعلى للمرور المهندس فاروق عبد الرحيم أن حوادث الطرق تمثل ظاهرة مقلقة وخطيرة في المجتمع الفلسطيني كباقي المجتمعات الأخرى، الأمر الذي يستوجب دراستها ومتابعتها بشكلٍ علمي ومتواصل للتخفيف من أضرارها المختلفة، مبيناً أن فلسطين تُعتبر من المناطق الأقل انتشاراً في حوادث المرور مقارنة بالدول العربية وغيرها من دول العالم.

 

ويذكر المهندس عبد الرحيم أن للاحتلال الإسرائيلي دور كبير في هذه الحوادث من خلال سيطرته على مساحةٍ واسعة من مناطق” ج ” والتي ترفض إسرائيل شق الطرق فيها أو ترميم المتضرر منها . هذه المناطق( وفق عبد الرحيم) هي الأكثر تعرضاً لهذه الحوادث من غيرها من مناطق الضفة الغربية.

 

وإلى جانب هذه المشكلة من قبل الاحتلال فإن المهندس عبد الرحيم يبين أن ما يطلبه الممول الأجنبي من مواصفات في ترسيم وتعبيد وترميم الطرق لا يتناسب أحياناً مع الطبيعة الطبوغرافية الفلسطينية، منوهاً في الوقت ذاته إلى عدم وجود معايير فلسطينية خاصة للطرق؛ في وقتٍ تتضافر فيه الجهود لإتمام “دليل معايير المواصفات الهندسية للطرق” وكذلك” دليل مواصفات السلامة على الطرق”.

 

ونظراً إلى تنوع وتوسع القضية المبحوثة ارتأينا التركيز على حجم ونوعية حوادث الطرق المسجلة في محافظات الضفة الغربية حتى الثلث الاول من عام 2013 . والهدف من التحديد الزمني هذا يتمثل في التركيز على المسألة ـ قيد النقاش ـ إلى جانب الوصول إلى صورةٍ مقاربة لعموم واقع حوادث الطرق في محافظات الضفة الغربية.

 

بانوراما سوداء

في تقرير لوزارة النقل والمواصلات الفلسطينية يتبين أن عدد الحوادث المرورية على طرق الضفة الغربية والمسجلة خلال الربع الثالث من العام 2013 بلعت 2153 حادث مروري، وأن محافظة نابلس سجلت أعلى نسبة حوادث بلغت 22,9% ، تلاها محافظة رام الله بنسبة 17,7 % ، فيما سجلت محافظة طوباس أدنى نسبة حوادث ما بين المحافظات.

 

وعن طبيعة الحوادث يُظهر تقرير الوزارة أن “حوادث الانقلاب” سجلت أعلى نسبة حوادث خلال هذه الفترة، حيث بلغت 46,1% من مجمل الحوادث، تلاه ” حادث مركبة مع مركبة” بنسبة 23,6% و” حادث مع عابر طريق” بنسبة 15,7% ، أما الحوادث العامة فشكلت نسبة 12%، أما باقي أنواع الحوادثفكانت نسبتها 2,4%.

 

وبخصوص النتائج الناجمة عن هذه الحوادث المرورية فيذكر تقرير وزارة النقل والمواصلات الفلسطينية أن عدد الوفيات بلغت 40 حالة، منها 27 حالة وفاة تم تسجيلها في مكان الحادث و13 حالة وفاة تم تسجيلها في المستشفيات.

 

أما عدد الإصابات فقد بلغت 2357 إصابة؛ شكلت الفئة العمرية من 18 سنة إلى ما دون 45 سنة 60,2% من مجمل الإصابات . وبشأن الأضرار المادية فإن محافظة رام الله والبيرة احتلت المرتبة الأولى وذلك بنسبة بلغت 29% من مجمل الحالات المسجلة للأضرار المادية في المحافظات.

 

التقرير يبين كذلك أن هذه المحافظة شهدت أعلى عدد للمركبات المشاركة بالحوادث المرورية بواقع 866 مركبة وبنسبة 29,1% من مجمل أعداد المركبات .

 

التقرير ذاته يوضح أن “المركبات الخصوصية” احتلت النسبة الكبرى من مجمل أنواع المركبات المشاركة في الحوادث المرورية خلال الفترة المحددة وذلك بنسبة بلغت 73,6% .

 

أسباب تتوالد!

وإذا ما انتقلنا للحديث عن أسباب هذه الحوادث فنجد تقرير الوزارة يرتب هذه الأسباب تصاعدياً حيث يأتي الانحراف عن مسلك السير في المرتبة الأولى ومن ثم تتوالى الأسباب على النحو الآتي:عدم أخذ الحيطة والحذر، عدم المحافظة على مسافة آمنة، عدم إعطاء حق الأولوية، عدم الانصياع لإشارة المرور ، الاستدارة، الرجوع للخلف، السرعة الزائدة، القيادة بدون حذر، تجاوز خاطئ، فقدان السيطرة، التفاف خاطئ، عدم تأمين وقوف المركبة، السير بعكس اتجاه السير، قيادة متهورة.

 

هذه الأسباب المؤدية لحوادث الطرق ناجمة عن عوامل عدة وفق دراسة أعدها المركز الفلسطيني لتعميم الديمقراطية وتنمية المجتمع ” بانوراما” في عام 2012.

 

هذه العوامل تتمثل في: تضرر الطرق في مناطق ” ج” جراء عدم سماح الاحتلال بتعبيدها أو ترميمها. فمن خلال المسح الميداني الذي تضمنته الدراسة تبين أن 51% من المستطلعين أفادوا أن إسرائيل هي المسؤولة عن تضرر هذه الطرق وبالتالي تكرار الحوادث عليها.

 

يقابل ذلك ما نسبته 39% يضع المسؤولية على السلطة الفلسطينية بهذا الخصوص. إلى جانب كل ذلك فإن نسبة عدم رضا الجمهور عن حالة هذه الطرق سواء أكانت في مناطق أ ، ب، ج عالية، حيث أفاد 69% من المستطلعة آراؤهم أنها سيئة أو سيئة جداً، مع الإشارة هنا إلى أن من نعتها بهذا الوصف هم أبناء محافظة نابلس، وأقلهم كان أبناء محافظتي رام الله والخليل.

 

وفي السياق ذاته يؤكد المقدم زنيد أبو زنيد نائب مدير إدارة المرور بالشرطة الفلسطينية على أهمية التزام السائقين بالقوانين والمعايير الواجبة أثناء قيادة سياراتهم، موضحاً أن السرعة الزائدة، وعدم الالتزام بقوانين السير، وقلة الصيانة، والسير عكس الاتجاه من العوامل الأساسية في وقوع حوادث السير في محافظات الضفة الغربية.

 

وذكر أبو زنيد أن حوادث الطرق أصبحت تتزايد خلال السنوات القليلة الماضية، الأمر الذي يستوجب دراسة هذه المسألة بشكلٍ فعال وسريع حتى لا تظل الأرواح البريئة تُزهق بدون ذنب، منوهاً في الإطار ذاته إلى أن الشرطة الفلسطينية تقوم بواجباتها على أكمل وجه فيما يتعلق بالمرور، إلى جانب ما تتخذه من حزمٍ رادع لكل من تسول له نفسه العبث بأرواح وممتلكات الآخرين.

 

 

حركة بلا صيانة!!

إلى ذلك؛ يرى أبو سعيد نخله الموظف في ” دينامو المصري” برام الله أنه رغم اهتمام بعض السائقين بصيانة ياراتهم وتفقدها بين حين وآخر، إلا أن الكثير من السائقين لا يلتفتون إلى هذا الأمر إلا بعد أن تتعرض مركباتهم لضرر أو عطل ما.

 

ويشير نخلة إلى أن عدم إقبال البعض على فحص مركباتهم بعد شرائها له مخاطر وأضرار كبيرة، حيث قد تكون هذه المركبة أو تلك غير مؤهلة للسير في أماكن أو مسافات محددة، الأمر الذي يعرض صاحبها وسواه للخطر.

 

في هذا الإطار قمنا بلقاء أحد السائقين الذين كانوا سبباً في وقوع حادث مرور في مدينة رام الله. يقول ( م. ص) :” عندما كنتُ مسرعاً فإذا بطفل يقطع الطريق فجأة . ضغطتُ على فرامل السيارة لكن القدر كان أسرع مني. أصيب الطفل بجراحٍ بالغة ليمكث على إثرها في المستشفى شهرين لينجو بعناية الله من موتٍ محقق .

 

ويوضح أن السائقين يتحملون عبء ونتائج تصرفاتهم، فمنهم من دفع الدية لأهل القتلى، ومنهم من تكلف بعلاج الجرحى على حسابه الخاص، ونادراً ما يتهرب السائقون من هذه المسؤوليات، وفي كثير من المرات يتنازل أهل الجرحى عن حقهم.

 

قصص وحكايات

الطفلة روان جابر البالغة من العمر أربعة أعوام لقيت مصرعها، وأصيبت شقيقتها خولة بجراح خطيرة، بعد أن صدمتهما سيارة أثناء قطعهما إحدى الطرق الرئيسية.

 

الطفل محمد خليل لم يتجاوز من العمر ست سنوات ، حيث خرج من مدرسته ليقطع الشارع فإذا بسيارة مسرعة تدهسه.

 

خليل تعرض إلى إصابة بالغة مكث على إثرها شهراً في مستشفى خاص، وقام السائق بدفع التكاليف ومبلغ ٍ من المال لذويه حتى يحمي نفسه من الاعتقال.

 

هذه القصص ، بالتأكيد غيض من فيض لقصص حوادث المرور المأساوية التي يذهب ضحيتها أبرياء، وتتعرض بسببها الممتلكات إلى خسائر باهظة أو إلى زوال ودمار.

شرنقة الحلول!!

وقبل الختام سنتطرق إلى الآليات المناسبة التي من شأنها الحد من هذه الظاهرة الخطيرة.

 

أبرز هذه الآليات تكمن في ضرورة العمل على توفير الميزانيات اللازمة لتنفيذ برامج السلامة المرورية المختلفة، وتخصيص ميزانيات كافية لتأهيل الطرق القائمة وشق طرق جديدة ضمن معايير ومواصفات فلسطينية، إلى جانب تكامل الجهود الأهلية والحكومية باعتبار السلامة المرورية قضية مجتمعية ذات أولوية على أجندة الاهتمام والمتابعة.

 

يضاف إلى ذلك ضرورة اهتمام وسائل الإعلام بالتوعية الإرشادية لهذه المسألة . كذلك؛ يتوجب تشديد العقوبة على السائقين المخالفين، وتشديد مراقبتهم ومعاقبة من لا يحمل رخصة قيادة أو يتجاوز السرعة القانونية المسموح به.

 

على الجميع التعامل مع هذه القضية كأولوية حياتية لا تقبل التأجيل والتهميش، فعندما نتطرق الى حوادث المرور علينا أن نتذكر ما قاله مدير عام منظمة الصحة العالمية السابق يونغ ووك لي ” السلامة على الطرق لا يجوز أن تترك للمصادفة”.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث