الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية.. لغط قديم جديد

إذا كانت الكونفدرالية صيغة حق أريد بها باطل فمن صاحب المصلحة الأولى في إعادة وإحياء الترويج لها بين فينة سياسية وأخرى، أو ربما بين سقطة سياسية وأخرى؟

الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية.. لغط قديم جديد

نهلة الجمزاوي

مع أن الحديث في الطموح القومي الطوباوي في أحلام الوحدة العربية لا زال يداعب بعض الأجفان، بوصفها  وسيلة يعلَّق عليها أمل الخلاص من الواقع السياسي المتردي للوطن العربي برمته، والذي ينطلق من بؤرة المرض المتأتي من إنغراس حربة اسرائيل في قلبه النابض فلسطين.. ولعل الكونفدرالية الأردنية الفلسطينية كانت ولا زالت، صيغة يتكرر طرحها بين حين وآخر،  كوصفة ناجعة لتشكيل نواة  وحدة يُظَن أنها قد تسهم في إيجاد حلّ ناجع للقضية الفلسطينية … من هنا جاز لنا أن نتساءل تساؤلاً مشروعاً، هل للنوايا الحسنة أن تجعلنا نغضّ النظر عن خطورة الطروحات السياسية المملاة علينا، فنتعامل مع المصطلح السياسي بمعزل عن موقعه وأثره على خصوصية الحالة السياسية التي نريد أن نسحبها عليه، وأقصد خصوصية القضية الفلسطينية وخطورة الطروحات السياسية المحيطة بها، والتي تملى عليها من حين لآخر.

الكونفدرالية بوصفها اتحاد بين دولتين أو أكثر، ذوات سيادة سياسية واقتصادية، فكرة إيجابية، قد تدفع باتجاه تكثيف الطاقات للنهوض بمصالح محددة تخص تلك الأطراف، دون المساس باستقلالية وسيادة أي منها . إنطلاقا من هذا المعيار القانوني، الذي نشأ بموجبه مبدأ الكونفدرالية، علينا أن نقيس الأمور ونزنها بميزان الذهب، فيما لو كانت الاشتراطات تنسحب على واقعنا السياسي أردنيا وفلسطينيا، أم أنها مجرد عواطف وأحلام طوباوية قد تذهب بنا الى المزيد من الإشكالات السياسية ضبابية المصير.

ربما كان أول طرح لمشروع كونفدرالية أردنية الفلسطينية في بدايات السبعينات، حين نزع الأردن الى حلول سلمية للقضية الفلسطينية، تقضي بعقد تسوية سياسية عبر وحدة كنفدرالية تحت مسمى “المملكة العربية المتحدة”  بينما أصرّت منظمة التحرير الفلسطينية على رفض التسوية والإصرار على القتال من أجل التحرير مما أدى إلى موت ذاك المشروع قبل ولادته ..ثم توالت المحاولات ما بين مرحلة سياسية تعصف بالمنطقة المعنية وأخرى، وكأن الكونفدرالية إكسير الشفاء الوحيد للمعضلة الفلسطينية. فأعيد طرح مشروع الكونفدرالية إبّان عقد الدورة السابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في عمان عام 1984م،  فقوبل بالرفض من قبل الجانب الفلسطيني، للأسباب سالفة الذكر. وبرزت النوايا الاسرائيلية في استثمار فكرة الكونفدرالية تلك باتجاه تذويب الهوية الفلسطينية، حين اشترطت عدم حضور وفد يمثل منظمة التحرير، أو فلسطسنيو الشتات مؤتمر برلين، فيما باركت حضور وفد أردني فلسطيني 1991م.  ورغم الانصياع لذلك الشرط في مدريد،  الا أن منظمة التحرير أصرّت على استقلالية كل من الوفدين في واشنطن ..، كما قوبل مشروع ريغان المعروف الذي حاول تستوية القضية الفلسطينية أو تصفيتها بالمعنى الأكثر دقّة، عن طريق طرح كونفدرالي يطول شرحه، لكنه بلا ريب لا يصبّ في مصلحة أيّ من السيادتين الأردنية أو الفلسطينية. 

 وهكذا توالى الصراع السياسي، بإعادة طرح هذا المشروع  والذي أجده في هذا المقام، محض محاولة للإعتداء على سيادة كل من الدولتين: الأردنية من جهة، والفلسطينية المرجوة من جهة أخرى.

وإذا كان لاعتراف هيئة الأمم بالدولة الفلسطينية مؤخراً، دور كبير في إعادة طرح هذا الهاجس، بوصفه الحلّ الذي بات مشروعاً من وجهة النظر المغلوطة من قبل البعض، بعد تحقق الدولة الفلسطينية على خارطة الأمم المتحدة، غير منتبهين الى أن هذه الدولة، لا زالت تفتقد الى عناصر الدولة الحقيقية، في ممارسة حقّها في السيادة على أرضها وشعبها، وانما اقتصر دورها على بعض المهام والتي لا ننقص من أهميتها كخطوة أولى على طريق بناء وتكريس الدولة المتكاملة، إذ صار بإمكانها عقدالاتفاقيات الدولية التي تكفل انجاز بعض الحقوق السياسية والمدنية للشعب الفلسطسني، كحقوق الأسرى في ضرورة  معاملتهم بوصفهم أسرى حرب، لا مجرمين مدنيين كما تفعل اسرائيل، وكذلك تجريم اسرائيل بما تقوم به من اعتداءات على الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني، ومقاومة التمييز العنصرى …وغيرها من المهام التي تعتبر اضافة الى القضية الفلسطينية …إلا أن ذلك كله لم يجعل من الدولة الفلسطينية، بوصفها عضواً مراقبا فقط، في الأمم دولة ذات سيادة متحققة الاشتراطات اللازمة التي تؤهلها لعقد كونفدرالية مع الأردن، بما يضمن لها الحفاظ على الهوية الفلسطينية، وحق اللاجئين بالعودة، والتعويض، وتقرير المصير، وبما يضمن للأردن سيادته، وحمايته من مخاطر مشروع الوطن البديل، الورقة التي تلوّح بها اسرائيل من وقت لآخر . فإذا كانت الكونفدرالية صيغة حق أريد بها باطل فمن صاحب المصلحة الأولى في إعادة وإحياء الترويج لها بين فينة سياسية وأخرى، أو ربما بين سقطة سياسية وأخرى.

Jimzawi1@yahoo.com

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث