أزمة الأحزاب التقدمية إزاء الواقع العربي الجديد

أزمة الأحزاب التقدمية إزاء الواقع العربي الجديد

أزمة الأحزاب التقدمية إزاء الواقع العربي الجديد

نهلة الجمزاوي تفشل التجارب الحزبية الإسلامية في قيادة الشعوب العربية ما بعد الثورات، وعلى الرغم من ذلك، لا زالت الأحزاب التقدمية متقوقعة وغير قادرة على استثمار الحالة السياسية والسخط الشعبي العارم ضدّ  الحكومات الإسلامية الجديدة .

صحيح أن الأحزاب السياسية اليسارية في الوطن العربي بكافة أقطاره تعرضت ومنذ نشوئها، للقمع الشديد، واستخدمت الأنظمة ضدها  كل الوسائل من سجن وتعذيب وإعدام، إضافة إلى محاولة التشويه والحرق الاجتماعي للمنتسبين إلى تلك الأحزاب، متكئين في ذلك على المرجعيات الدينية، وتسليط ألسنة وسيوف القوى الإسلاموية ضدّهم أفراداً وتنظيمات.

الإشكالية الأعظم هي ما تعرضت له تلك الأحزاب من محاولات لهزها من الداخل وتفريغها من محتواها، ولا سيما في الدول التي شرّعت علنية تلك الأحزاب،  فما أن طفت تلك الأحزاب على سطح العيان، حتى أعملت فيها وسائل الاختراق ومحاولات التخريب.

 

إذ عملت الأنظمة على مدّ أذرعها الى داخل تلك الأحزاب بهدف إجهاض الطاقات النضالية الحقيقية وإقصائها وتهميشا، والدفع بالنكرات إلى سطح الهيئات الحزبية الأولى، ورفدها بأفراد جدد لا علاقة لهم بالعملية النضالية الحقيقية، مما أدى إلى تغيير نسبي لوجه الكادر الحزبي، وخلق دماء جديدة سلبية بعيدة كلّ البعد عن تاريخ الإرث السياسي والفكري لها وبالتالي تفريغ بعض الأحزاب من محتواها واقترابها الشديد من الأنظمة الحاكمة.

 

 كما أدّى هذا التغيير “الديمغرافي” داخل البنية الحزبية، إلى تغيّرات جذرية في برامجها وأنظمتها، ونحى بتلك البرامج الى اتجاهات ليبرالية غير مفهومة مبتعدة عن الالتزام بالفكر اليساري كقاعدة للنضال قابلة للتطوير حسب الزمان والمكان والحاجات الإنسانية .

ورغم محاولتها اللحاق بركب الثورات، تحت شعار الدفاع عن حريات الشعوب، الا أن أداءها لا زال مربكا وغير واضح أو جاد، حتى أن بعضها يلتف على المواقف ويعلن مواقف مواربة ومتناقضة،غير واضحة من تلك الثورات، لا سيما تجاه القضية السورية.

وبالتالي افتقرت تلك الثورات إلى قيادة ناجحة تقود الجماهير وفق رؤية فكرية تقدمية، و عجزت الأحزاب اليسارية الى الآن عن استثمار اللحظة وامتطاء موجة الدفق الجماهيري لتوجيه الشعوب بما يكفل جدوى حقيقية لتلك الثورات التي تنزح للحرية وتتطلع الى عالم عربي تقدمي جديد، بينما استطاع الإسلام السياسي الى حدّ ما استثمار مشاعر الناس وتوقها إلى الخلاص وامتطاء الموجة في المحاولات الدؤوبة للوصول الى السلطة. لذا لابدّ لا بد للأحزاب التقدمية أن تعيد النظر في قراءة ذاتها مجددا وأن تتخلى عن عقلية امتلاك الحقيقة الثابتة والمطلقة التي تنتهجها في إقصاء الآخر، والتشبث بنهج جامد غير قادر على انجاب طاقات جديدة قادرة على إنجاز التغيير .

 لا بدّ لها من قراءة موضوعية وسريعة لموقعها مما يجري، والتشخيص لأسباب القصور من أجل تجاوزه، والقدرة على اللحاق بالمتغيرات الجارفة وإلا ستحكم على نفسها بالإنقراض والتلاشي وترك الساحة للون “رديكالي” أحادي النظرة للهيمنة على المنطقة العربية، وهذا هو الهدف الأقصى للقوى الإمبريالية والرجعية العربية وكذلك الإسلاموية .

Jimzawi1@yahoo.com

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث