حكاية الخبز في مصر الحديثة

حكاية الخبز في مصر الحديثة
المصدر: القاهرة - من حازم خالد

كان الخبز ومازال مادة غذائية رئيسية لدى معظم الشعوب وخاصة الشعب المصري: حيث يعد الشغل الشاغل للمصريين منذ فجر التاريخ، وعدت زراعة القمح والحبوب عامة دليلاً على مدى تحضر المجتمعات المستقرة، وتدل بعض الإحصاءات التي أجريت حديثاً على أن الخبز يمثل أكثر من نصف الطعام المأكول في نصف دول العالم، وقد ارتفعت هذه النسبة في مصر في نهايات القرن العشرين لتصل إلى 230 كجم سنوياً علماً بأن المعدل العالمي لاستهلاك الفرد السنوي من هذا المحصول يصل إلى 65 كجم.

ويحصل الإنسان من الخبز على نسبة كبيرة من احتياجات جسمه الغذائية، إذ تقدر السعرات المتولدة من رطل واحد من الخبز بحوالي 1200 سعر، وتزداد هذه السعرات بالطبع في حالة إضافة شيء من السكر أو البيض أو اللبن أو ما شابه ذلك إليه، وكان الخبز بأنواعه أساس الطعام عند المصريين القدماء، يسعون إليه في حياتهم ويتمنونه لموتاهم في العالم الآخر.

وأشارت مصادر اجتماعية بحثية إلى ميزانية أسرة مصرية متوسطة وضعت في منتصف القرن التاسع عشر، تبيّن أن تكاليف الخبز لهذه الأسرة تأتي بعد اللحم، وتوضح بعض الأمثلة الشعبية في مصر أهمية الخبز منها “إن صح العيش يبقى الباقي بشرقة أي ترفاً، وضعيف ويأكل ميت رغيف”.

ويجل المصريون الخبز، فإذا رأى أحدهم قطعة من الخبز نحّاها بجانب الحائط، وربما قبلها قبل ذلك، ولا يستحلون أن يطؤه بأقدامهم، مما يدل على مكانته الكبيرة لديهم، من هنا تأتي أهمية هذه الدراسة.

وقد قسّم الباحث جمال كمال محمود كتابه “حكاية الخبز في مصر الحديثة” إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة تناول في التمهيد التعريف بالخبز ومسمياته منذ فجر التاريخ، وكيف كان له العديد من الأسماء في مصر القديمة، وأهمية الخبز واحترامه ومكانته.

وخصص الفصل الأول لـ” صناعة الخبز” بدءاً من زراعة الحبوب وحصدها ودرسها وتذريتها وتخزينها في المخازن والشون مروراً بطحنها بعد تنقيتها ثم نخل الدقيق والرقابة عليه وعجنه، ومدى تحري الدقة في عملية العجن مروراً بالخَبْزِ وأنواع الخُبز و الرقابة عليه من حيث الجودة في إنضاجه والدقة في الوزن مروراً بدور الإدارة في متابعة ذلك وصولاً إلى ضبط الأسعار حتى وصول الخبز للمستهلك.

أما الفصل الثاني فتناول “الخبز في زمن الرخاء الاقتصادي” والذي تتوافر فيه المياه بكمية تسمح بري أكبر مساحة من الأراضي التي تزرع حبوباً، ومن ثم يمون الإنتاج وفيراً، وتنزل أسعار القمح إلى أقل معدلاتها، مما يسمح بتصدير القمح إلى الحجاز والشام والأستانة وهو الأساس؛ حيث ترسل مصر الكميات المقررة عليها لحاضرة الدولة العثمانية وأيضاً غلال الحرمين الشريفين المرصدة عليها فضلاً عن تصدير القمح أحياناً إلى أوروبا، وكان الرخاء نسبياً بمعنى أنه يختلف من عام إلى آخر، وفي الجملة يعم الخير في سنوات الرخاء ويفيض على الجميع.

وناقش الفصل الثالث “الخبز أثناء الأزمات الاقتصادية والأوبئة” حيث تعرض للعديد من هذه الأزمات الناتجة عن نقص مياه النيل و التي كان بعضها عنيفاً، وفيها ترتفع أسعار القمح بشكل كبير، وتقترن أحياناً بمجاعات تتبعها أحياناً أوبئة و طواعين، تفاقم من حدة هذه الأزمات ممارسات احتكارية مما يؤدي إلى تفاقمها، وبالتالي ترتفع أسعار الحبوب و التبعية الخبز إلى أسعار قياسية قد تصل لأكثر من الأسعار في السنوات العادية بنحو عشرين ضعفاً، وكانت الإدارة المركزية في الآستانة “تحاول” التقليل من حدة هذه الأزمات بالتنسيق مع الإدارة المحلية باستيراد الحبوب من مناطق أخرى – أحياناً – والضرب بيد من حديد خاصة على من يحتكرون الحبوب من أجل رفع أسعارها، وكانت هذه المحاولات تؤتي ثمارها “أحياناً” وتخفف

من حدة الأزمة خاصة إذا عقبها فيضان عال، فيؤدي إلى كسر حدة الأسعار إلى حد ما، ولم يكن موقف الأهالي بعيداً عن الأحداث بل كان فاعلاً في بعض تلك الأزمات ويساعد على انفراجها.

وتناولت خاتمة الكتاب أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة، كما أرفقنا مجموعة كبيرة من الملاحق التي تتعلق بالموضوع محل الدراسة.

وقد اعتمد المؤلف في سبيل إعداد هذا الكتاب على المصادر الأولية المحفوظة بدار الوثائق القومية، وشكّلت سجلات المحاكم الشرعية ركناً مهماً من مصادر هذا الكتاب، وبعض دفاتر الروزنامة والعديد من المخطوطات والمصادر المنشورة العربية والأجنبية إلى جانب العديد من المراجع العربية والأجنبية.

الجدير بالذكر أن الكتاب “حكاية الخبز في مصر الحديثة” للكاتب جمال محمود صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ويقع في 120 صفحة من القطع المتوسط.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث