الشرق الأوسط: ترتيب البيت القطري

الشرق الأوسط: ترتيب البيت القطري

الشرق الأوسط: ترتيب البيت القطري

ما إن أعلن الشيخ حمد بن خليفة تسليم الحكم لابنه تميم حتى تدفقت التفسيرات المختلفة في الإذاعات ومحطات التلفزة وفي الصحف، كل يدلي من مخيلته بالأسباب الخفية التي دفعت الأمير إلى تسليم السلطة طوعا لخلفه، وكعادة الخيال العربي السياسي تبرع كثيرون بالبحث عن الدوافع الكامنة وراء هذه الخطوة التي تصل إلى حد استخدام كلمات مثل (المؤامرة) و(الانقلاب). كثيرون خلقوا أوهاما وصدقوها إراحة لأنفسهم. كانت تلك التفسيرات طبيعية بسبب عدم تعود العقل العربي السياسي على إمكانية الانتقال السلمي والسلس للسلطة، في ظل أجواء يقتل بعض الحكام نصف شعبهم من أجل الاحتفاظ بها.

 

أرى أن ما أقدم عليه الشيخ حمد سابقة حضارية بامتياز خطط لها بوعي ورؤية، أن يقود قطر في هذه المرحلة الشباب، في عصر يتجه فيه العالم إلى العولمة وتحسين نوعية الحياة في آن واحد، لأن الشيخ حمد يعرف أن الأجيال تتوالى وأن مطالب الجيل الجديد تختلف عن آمال الجيل الأسبق، ومعظم شعب قطر اليوم في سن الشباب يحتاجون لمن يعرف عن قرب أمانيهم وتطلعاتهم، وأجدها في استحقاقين؛ الأول، توسيع قاعدة المشاركة، والثاني، تعميق مسار المساءلة، في بلاد تزداد أعباؤها في الداخل والخارج.

 

لقد قدم حمد بن خليفة لقطر وشعبها في الثماني عشرة سنة الماضية الكثير من الإنجازات، ومن يعرف قطر عند تسلمه للسلطة ويذهب ليراها اليوم، يعرف كم مساحة التطور التي اجتازتها قطر في ظل سياساته، طبعا ساعد في ذلك وجود الفائض المالي، ولكن لم يكن هو العنصر الفعال فقط، بل كانت عزيمة ورؤية الرجال، التي جعلت لقطر حضورا إقليميا ودوليا غير منكر.

 

أعرف كما يعرف غيري أن بعض السياسات التي اتخذتها قطر في غضون الثماني عشرة سنة الماضية سواء الداخلية أو الخارجية ليس مرحبا بها في بعض الأوساط، إلا أن العمل السياسي يقاس بنتائجه، وعندما نرى قطر اليوم نعرف أن نتائج تلك السياسات وضعت قطر في مستويات كثيرة في مواقع ظنها البعض لسنوات قليلة خلت غير ممكنة. لعل الأكثر بروزا هو بناء البنية التحتية لقطر، فالدوحة اليوم في خطها الأفقي تضاهي مدنا عالمية كبيرة سبقتها في البناء، ولكن الأهم ليس هنا، الأهم ما صاحب هذا البناء المادي من بناء حضاري في الكثير من الوجوه، فأكبر متحف يضم تراث المسلمين يوجد اليوم في قطر في بناء مهيب وجميل، وأكثر عدد من الجامعات المختلفة تقوم على التراب القطري في تعددية مدهشة، وأكثر الأنشطة الثقافية يجتمع الناس حولها في حي كامل مخصص بالكامل للأنشطة الثقافية، كما تحتضن الدوحة في متوسط أسبوعي أو أقل عددا من النشاطات الإقليمية أو العالمية، حتى أصبح بعض المراقبين يتحدثون عن (دبلوماسية المؤتمرات القطرية)، عدا أن قطر اليوم تتمتع بأعلى متوسط للدخل، أما العمل الإعلامي فليس من المستنكر أن يقال إنه من خلال مشاريع قطر الإعلامية ارتفع سقف الحوار لدى العرب، خيره وشره على السواء.

 

القائمة الطويلة من الإنجازات التي تمت في مدى الثماني عشرة سنة الماضية، معظمها مشاريع غير مسبوقة وشجاعة في نفس الوقت. سياسة قطر الخارجية هي التي أصبحت محط خلاف واختلاف، وكان من الطبيعي أن تصبح كذلك، لأنها عرضت نفسها على خط إطلاق النار السياسي، فقد توسطت بين عدد من المختلفين في عدد من الدول العربية، من السودان إلى اليمن إلى الصومال إلى لبنان إلى سوريا إلى فلسطين وغيرها، وكلما تأزم موقف داخلي بين مختلفين أو ثارت أزمة تجد الدوحة (دوحة) جاهزة للمشاركة في المساعي التي تعرف قبل غيرها أن البعض لا ينظر إليها بعين الراحة، إلى درجة أن البعض يرى الدوحة في خياله متأبطة المشكلات، وهي ليست كذلك. من هذا المدخل نجد أن قطر قد أصابها الكثير من وابل النقد لأن المختلفين أرادوا أن تتفق معهم وتتخذ مواقف ضد خصومهم، بل في بعض الأوقات أصاب الوابل قطر من الجانبين المختلفين على كل شيء عدا اتفاقهم على التشهير بقطر. وربما كلمة التشهير والنقد غير الموضوعي انهمرت على الدوحة حتى من أصدقاء الأمس، لأنها انحازت إلى ما تراه من مصالح لشعب من الشعوب العربية، لعل الأكثر وضوحا هنا هما دمشق وبيروت، التي كانت الأولى يربطها بالدوحة روابط كثيرة، وقد بدأت متينة أو بأطراف لبنانية لم تتردد قطر في دعمها، ولكن عندما وجدت الدوحة أن انحيازها لمصالح الشعب أهم من مجاملاتها للأنظمة، لم تتأخر في فعل ذلك وإعلان موقفها، كما لم تتأخر في نقد موقفها السابق.

 

لقد وضع حمد بن خليفة قطر في الصدارة، على الساحة العربية والساحة الدولية في شقين؛ الاقتصاد والسياسة، كما ترك مدرسة محصلتها أن القوة الناعمة قد تتفوق في بعض الأحيان على القوة الغاشمة.

 

فعل التسليم والتسلم، وخطاب الشيخ حمد صباح يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من يونيو (حزيران) جعل من الجميع يفكر فيما حصدته قطر من نتائج بسبب تلك السياسات الشجاعة التي بدا وقتها أنها قريبة من المغامرة، إلا أنها أتت أكلها، بسبب ما اشتملت عليه من نظرة أبعد من مواقع القدم، فالخطاب أكد من جديد انتماء قطر لمحيطها العربي وثقافتها الإسلامية، وهما سويا المحيط العربي والثقافة الإسلامية اللذين يحيطان بقطر تختمر فيها اليوم إرهاصات تنم عن ولوج مرحلة تحول عميقة، وربما غير مسبوقة، يشملهما اضطراب كبير وصراع على تشكيل المستقبل قد يؤدي إن زاغت الأبصار إلى فتح أكثر من جبهة احتراب وطني.

 

المشككون في خطوة التسليم والتسلم يرون الأمور من أكثر من زاوية، بعضها متروٍ وبعضها ضارب في الخيال، البعض يرى أن التوقيت الذي اختاره الأمير حمد صعب جدا، في وقت تأخذ قطر قصب الريادة في تشكيل سياسات إقليمية ودولية تحاول أن ترسم الطريق إلى المستقبل، وانتقال القيادة في هذا الظرف يعني في نظرهم أنه قد يسبب إخلالا بالمسيرة التي بدأت، وآخرون يرون أن العملية شكلية ولها دوافع حتى الآن غير ظاهرة. طبيعي جدا أن يختلف التفسير وربما نسمع تفسيرات أخرى. إلا أن الواقع يقول لنا إن التسليم والتسلم هو امتداد لمفاجآت قطر السياسية التي أصبحت بمثابة قاعدة سلوك أو أمثولة في اتخاذ القرارات الصعبة وغير المسبوقة، تتسق مع كل ما قدمنا من سياقات، والأمر كذلك فهي طبيعة في السياق القطري الذي امتد لثماني عشرة سنة تحت قيادة الأمير حمد صاحب الشخصية المتواضعة البشوشة والواضحة في نفس الوقت.

 

تقديري أن ما قام به الشيخ حمد من تسليم للسلطة هو اتساق طبيعي لشخصيته وتطبيق لتفكيره السياسي، حيث أحدث سابقة في المنطقة سوف يشير لها التاريخ بإيجابية عندما تخلى الفارس عن صهوة جواده وهو في وسط المعركة ويحقق انتصارا أيضا.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث