الأقليات في بلاد المسلمين.. صرخة بلا صوت

الأقليات في بلاد المسلمين.. صرخة بلا صوت
المصدر: إرم – من سماح المغوش

ليس العنوان تجنيا على تاريخ معين، فتاريخ الإنسانية سواء في الشرق أو الغرب حافل بالحروب والاضطهادات، ولكننا من موقعنا نحن ومن انتمائنا نحن، نتساءل عن الثغرات.

فأين الخطأ باعترافنا أننا نرتكب أخطاء؟ يتجاهل المسلمون في تاريخهم اضطهاد غيرهم، رغم أن الطبيعة البشرية عبر العصور سواء عند الشرق أو الغرب تضطهد كل ما يخالفها، فالغرب اضطهد أقليات، والشرق الأقصى اضطهد الأقليات، وأمريكا اضطهدت أقليات.. ونحن نضطهد، ولكننا كمن ينزعج من غبار على يديه ننفض الحقيقة، ونتجاهلها بإراحة ضمائرنا.. “هؤلاء لا يمثلون الإسلام”.

إذا، السؤال الهام الذي يطرح نفسه.. من يمثل الإسلام؟
اعتمدت الأديان في أسسها على “القيم الخلقية” في أي مكان وفي أي زمان، على مبادئ الأخلاق السامية، كالعدل، والمحبة، والعفو، والتسامح..الخ.

ولكن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر، ليس حصرا على الإسلام، بل هي قيم لكل دين، ولكن لماذا نصر بقوة أن نتجاهل أنه بالإمكان أن تكون هناك ثغرة ما؟

أن ندين أخطاء المجتمع لا يعني أننا نمس جوهر ديننا، وهذه الحقيقة للأسف التي لا يستطيع معظمنا تمييزها، ونفضل الاختباء دائما خلف عبارة “لا يمثلون الإسلام”.

*الأزيديون.. لننفض أيدينا منهم!

يعرف القاصي والداني ما الذي يحل من مجازر بشعة بحق الأزيديين، ويتفق “العرب المسلمون” على تجريمها.

ولكن “يتفق” ليست تماما محددة، فرغم فظائع الجرائم التي ترتكب بحقهم من قبل تنظيم “الدولة الإسلامية” إلا أننا مع ذلك لم نشهد تحركا عربيا فاعلا بهذا الصدد، وهو أمر ملفت، ولم نشهد مسيرة حقيقية وفعلية واحدة للتنديد بهذه الواقعة، واكتفى العرب بالإدانة الخجولة هنا وهناك، ولكن لماذا؟ لماذا لم يقم العرب بأي مسيرة تندد بما تفعله “الدولة الإسلامية”؟

لأننا ضمنيا في “اللاوعي” بداخلنا وبموروثنا القبلي والشمولي والتكفيري، نؤيد ما تفعله “داعش”، لأننا ضمنيا نعترف بأن الأزيديين طائفة غير مسلمة وبالتالي هي لا تعنينا “فلتذهب إذا للجحيم”. هذا ما يحدث في الواقع الذي لا نريد أن نواجهه.

ونبرر صمت ضمائرنا بقولنا أن تنظيم “الدولة الإسلامية” لا يمثل المسلمين، إذاً، هنا سؤال آخر إذا كان التنظيم يقتل باسم الله ويجاهد باسم الله ويمثل بالجثث باسم الله ويقيم أركان الإسلام، وانتشر باسم الإسلام.. فهم يمثلون من؟

دعونا نتفق، على أن الحقيقة المؤلمة هي أن “داعش” انعكاس لنا، لقبحنا البشري المختبئ تحت تحضرنا وبدلاتنا العصرية ودقوننا المحلوقة ونسائنا المعطرات، انعكاس لتراكم الأخطاء الطويلة والتخلف والجهل وتجميد فاعلية الإسلام الحقيقي عبر التاريخ، نحن “داعشيون” في تركيبتنا الداخلية، بل إننا تواطأنا إعلاميا وعربيا وإسلاميا بشكل صريح حين وافقنا “داعش” على اسم “الدولة الإسلامية” لها وبثثناه شرقا وغربا وكأننا نجيزه!!

وحين كتبنا كثيرا عن إبادة “الأرمن” في عهد الدولة العثمانية، هل لأننا كنا ضد ما فعله العثمانيون، السؤال غالبا.. “لا”. بل لنقمتنا على العثمانيين فأردنا ثغرة، ولكن ماذا لو كان العثمانيون عربا مسلمون؟

*الأقليات اختارت أن تكون.. أقليات

دخلت الحضارات بلاد العرب منذ آلاف السنين، خاصة في بلاد الرافدين وبلاد الشام ومصر، ثم أخذت الأديان كاليهودية والمسيحية بالانتشار إلى أن نزلت الرسالة المحمدية فانتشر الإسلام بأصقاع بلاد العرب قبل غيرها وذلك لنزول القرآن باللغة العربية.

لم يمس الإسلام في شرعه من وجدهم على دياناتهم، فالآيات والأحاديث وحكم الخلفاء الراشدين كان بينا واضحا في هذا الصدد. وحظيت الإقليات بحرياتها في فترات الازدهار المتقطعة من التاريخ الإسلامي، ولكن مع ذلك بقي تفاعلها مع انتمائها الحضاري والعربي فوق أرضها خجولا.

فالعرب عاشوا صراعات على مر عصورهم، وحين هبوا هنا وهناك دفاعا عن أراضيهم كفترة الاحتلال العثماني والاستعمار الأوروبي وحتى بدء “الربيع العربي”، كان تحرك الأقليات عموما سلبيا، فعدا عن شخصيات معينة من هنا وهناك كان لها صوتها، إلا أن المسيحيون واليهود العرب وغيرهم من الطوائف لم يتفاعلوا حقيقة كالعرب المسلمين مع قضاياهم، فلطالما اختاروا موقع “المقيمين” على موقع “المواطنين”، وآثروا دائما “الحياد” في قضايا تخص أوطانهم قبل أن تخص العرب المسلمون، فلقد كانت الديانة المسيحية واليهودية موجودتان قبل الإسلام، وبالتالي وجودهما الأعمق في التاريخ.. لم يكن للأسف الأعمق في الإنتماء.

*مسلمون.. ولكن!!

لن نتطرق إلى.. لمَ يتفاعل الإعلام الغربي مع الأقليات التي يتم اضطهادها في بلاد المسلمين بينما يدير رأسه عن اضطهاد المسلمين في بلاد الآخرين لأسباب بعيدة عن الإنسانية والحضارة ولتوظيفها سياسيا فقط.

ومع ذلك، لم تكن “الأقلية المسلمة” أفضل حالا فلطالما شهد العالم مذابح بحق الأقليات المسلمة في بلاد كالبوسنة والهرسك والشيشان وكشمير وأخيرا بورما، واكتفى العرب كعادتهم بالتنديد دون أن تتخذ أي دولة عربية مسلمة موقفا حازما من حكومات الدول التي ساهمت باضطهاد الأقليات المسلمة، وبالتالي.. نرفع صوتنا ضد من استباحونا.. ولكننا ننسى أننا عبر تاريخنا لطالما استبحنا أنفسنا.

فقد شهد التاريخ الإسلامي مجازر كثيرة على امتداده جاء أشهرها المجازر بحق “الزنج” وهم الأقليات الغير مسلمة الذين أتى بهم العباسيون للخدمة والسخرة في بلاد المسلمين، فانتهكوا حقوقهم وعرضوهم لأقسى أنواع المعاملة، كما وشهد التاريخ الإسلامي عبر عقوده الطويلة توترات بين المسلمين والصوفيين حيث اتهموا بفترة من الفترات بالشرك بالله ولوحقوا وقـُتلوا، فيما عانى المسيحيون من اضطهادات وتهميش إلى حد تسمية ديوان لهم باسم “ديوان المجالي” أي “الجالية” ما يعني أنه تم وصفهم كغرباء فوق أرضهم، كما ولا يخفى على أحد ما ارتكبه العثمانيون بحق الأرمن، بغض النظر عن أعداد الضحايا.

لكن.. لماذا فعلنا هذا.. كـ”مسلمين”؟

ليس الجواب قطعا أننا لم نكن مسلمون آنذاك، بل كنا كذلك.. إذا لماذا قمنا بهذا؟

لأننا ورثنا نظرية “الدين الأسمى” فأصبح كل من هو مختلف عنا “دوننا”. وجئنا بعد ذلك لنحارب كل من كان قبلنا أو قرر الخروج عنا تحت شعار “دين الله المختار”، فقتلنا ومثلنا وجوّعنا وقبلنا شئنا ذلك أم أبينا باسم “الإسلام” وبيدنا كـ”مسلمين” أن تستباح إنسانيتا..

لقد شوهنا بأيدينا جوهر الإسلام كدين نزل ليرحم ويعدل وينصف، حتى أن الأقليات عاشت في بداياته بسلام وطمأنينة، وأخلاقياته كانت المفتاح الأول لدخول الآلاف من البشر في أصقاع الأرض إليه، ونحن لسنا مجرّدون من إنسانيتنا ولكننا بكل بساطة لا نريد أن نعترف أننا كغيرنا من البشر.. لا نختلف ولم نُخلق لنختلف، ألم يقل الله تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؟.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث