مقاهي قاهرة المعز في رحاب رمضان

مقاهي قاهرة المعز في رحاب رمضان
المصدر: القاهرة - من حازم خالد

للقاهرة امتدادات عراض فيها للتاريخ صولات، لا تكاد تحصى لميادينها عدد، فمن صحن مسجدها إلى أقصى مشارفها حطت فصول التراث بشتى الصور، فهذه القباب تجاور مقاهيها هنا ذكر وهناك أنس في أثره طرب، تتزين مقاهي قاهرة المعز الفاطمية في كل عام من شهر رمضان، فتدع المدل بعبقري مقاصده، فيوجد للسمر أوقات وللذكر مثلها ولكن أيامهم في رمضان إلى الذكر أقرب، وعند أطراف ترامي عبيق التراث ما يتجلى في أحضان منطقة الأزهر والحسين من أزاهره، وتمتد الروائع من ذكريات المقاهي حتى أقاصي مقاهي الإسكندرية ومن بعدها شتى المدن المصرية، ولكن تبقى القاهرة هي التي تحظى بنصيبها الوافر من المقاهي ذات التاريخ، والتي تحمل أصداء وروائح الماضي، ومنها مقهى الفيشاوي الذي يرجع تاريخه إلى عام 1772، وترجع شهرة هذا المقهى الكائن في منطقة الحسين إلى أنه منتدى للشخصيات العامة من رجالات الفكر والأدب والفن والسياسة.. وعادة ما تفتح المقاهي أبوابها بعد الإفطار، ليشتد الزحام بها حتى مطلع الفجر، ومن أبرز المقاهي في حي الحسين مقهى نجيب محفوظ في خان الخليلي، والذي يقدّم وجبة الإفطار للزبائن فضلاً عن المشروبات والنرجيلة، حيث تختلط رائحة الشاي بالنعناع الأخضر، برائحة الدخان المتصاعد من (النراجيل).

طلبات الزبائن.. مالذ وطاب

تتنافس المقاهي طوال ليالي رمضان، لجذب عدد أكبر من الروَّاد سواء كانوا من المصريين أم الأجانب، حيث تقدم لهم المشروبات الساخنة كالحلبة واليانسون والقرفة، والمشروبات الباردة كالعرقسوس والتمر الهندي. وفي السنوات الأخيرة اهتمت الفنادق الكبرى بتلبية طلبات زبائنها، بنقل الجو الرمضاني في الأحياء الشعبية، حيث تعلق الفوانيس على مداخلها، ويتم الإعلان عن وجود “مقهى” يستقبل الروَّاد بعد الإفطار، حيث تخصص إدارة الفندق قاعة من القاعات، ترص بها المقاعد والطاولات وتطلى الجدران، وتعلق إطارات الزينة من لوحات ذات طابع زخرفي، وبذلك تجتذب هذه الأشكال المستحدثة نزلاء الفنادق، لما فيها من خدمات تتطابق مع طبيعة المقهى الشعبي من مشروبات ونراجيل وألعاب التسلية كالنرد والدومونو.

ونظراً لاتساع القاهرة، فإن الكثير من الشباب يفضّلون الجلوس في المقاهي القريبة من منازلهم، تلافياً للزحام الذي يشتد في منطقة الأزهر والحسين طوال ليالي رمضان، وبذلك تتميز المقاهي بطابع خاص، حيث تزدان بالفوانيس المضيئة والمشروبات التي يزداد عليها الإقبال مثل حمص الشام، وهو عبارة عن حبات من الحمص تغلى مع الماء وتوضع عليها كميات من الملح والشطة وتشرب ساخنة.

تقاليد العمل في رمضان

يختلف العمل داخل المقهى في شهر رمضان عن سائر الشهور، فغالباً ما يبدأ الاستعداد لفتح المقهى بعد صلاة العصر، حيث يذهب العاملون إليها، ويقومون بإعداد الطاولات والمناضد، وتجهيز أدوات العمل من أكواب وصوان ونراجيل، وغالباً ما يتناول هؤلاء وجبة الإفطار في المقهى، لينهضوا بعدها لمباشرة عملهم، فهناك مَن يقوم بتجهيز المشروبات ويُسمى (عامل النصبة)، وهناك الجرسون (القهوجي) الذي يقدّم الطلبات إلى الروَّاد، أما صاحب المقهى فعادة ما يجلس إلى منضدة في الركن، وخلفه المذياع أو التلفاز مثبت فوق رف خشبي، بينما يدخن النرجيلة وقد علت وجهه الابتسامة وهو يحيي الروَّاد.

ولا يترك صاحب المقهى مكانه إلا عندما يتناقص عدد الروَّاد، ويقترب يوم العمل من نهايته، وقد بدأ الناس يهرعون إلى منازلهم لتناول وجبة السحور، بينما يقوم العاملون بتنظيف المكان وغسل الأكواب والنراجيل، بعدها يسارعون بالعودة إلى منازلهم لتناول وجبة السحور مع ذويهم.

وفي الإسكندرية تتألق الأحياء الشعبية في ليالي رمضان، حيث تتعدد مظاهر الاحتفالات بقدوم الشهر الفضيل، وتمتلئ الشوارع بالزينات وتعلق الفوانيس على مداخل المنازل والحوانيت. وتشتهر المدينة بالكثير من المقاهي المتناثرة في أرجائها، والتي عادة ما تصطف مقاعدها على الأرصفة المقابلة للكورنيش، حيث يتوافد عليها الزبائن، ويجلسون إلى الطاولات، يتجاذبون أطراف الحديث والمسامرة، ويحتسون المشروبات الساخنة والباردة، ويدخن بعضهم النرجيلة.

وهناك عدد من المقاهي في وسط المدينة، مثل مقهى “السلطان حسن” ومقهى “على كيفك” والمقاهي التجارية وغيرها.. التي تتنافس فيما بينها على اجتذاب الروَّاد خلال ليالي رمضان، ولمقاهي الإسكندرية طابع خاص حيث رائحة اليود والطقس المعتدل، الذي يغري بالخروج من المنازل، والنزول إلى الشوارع، وبعيداً عن الإسكندرية، سنجد أن سائر المدن المصرية تشتهر فيها بعض المقاهي، التي يحلو فيها السهر خلال أيام وليالي رمضان، أما الريف فيندر فيه وجود المقاهي، حيث لا يميل أهالي القرى إلى هذا الشكل من أشكال الملتقيات، ويفضّلون الجلوس في (منادرهم) وهي غرف مخصصة لاستقبال الضيوف، فنجد صاحب الدار يتوسط القاعة وحوله الأصدقاء يفترشون الحصير، ويتبادلون الحديث والضحكات، ومعهم طفل أو شاب صغير يقوم بتحضير أكواب الشاي الساخنة.

منتديات ريفية

ومع التقدم الذي طرأ على الحياة في الريف المصري صارت هناك “منتديات” يجلس فيها الشباب، والمقاهي تستقبل الزبائن من راغبي مشاهدة برامج التلفزيون أو الاستماع إلى المذياع.. وغالباً ما يكون المقهى للوافدين من القرى إلى المدينة، مكاناً للاستراحة من تعب السير والتجوال لشراء مستلزماتهم، ولذلك تكتظ المقاهي بجوار محطات القطار والسيارات، بالمئات من المسافرين والذين يفضّلون الشاي بالنعناع وتدخين النرجيلة، قبل أن تنقلهم عرباتهم أو قطاراتهم للعودة إلى قراهم البعيدة.

وغالباً ما تهتم مقاهي المحطات باستقبال هؤلاء الوافدين، وتدخل في المنافسة مع المقاهي الشهيرة في قلب المدينة، التي عادة ما يرتادها أهالي الحي، والشارع، ونادراً ما يفد إليها غرباء، حيث يمتد السهر حتى مطلع الفجر طوال ليالي شهر رمضان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث