صيام رمضان..تكفير لما قبله من ذنوب

صيام رمضان..تكفير لما قبله من ذنوب
المصدر: القاهرة - من حازم خالد

رمضان هو الركن الرابع الذي لا يتحقق للمسلم إسلامه إلا به، أسوة ببقية أركان الدين الإسلامي الآخر، فهو مكون أساسي لمنظومة العملية الاعتقادية العملية القائمة على سلوك مسلك معين بشروط ومواقيت، وهو العبادة الوحيدة التي هي لله، حيث إن كل أعمال العبد له إلا الصوم فهو لله وهو يجزي به، وإن للصائمين باباً يخصهم وحدهم يعبرون منه إلى الجنة يُسمى باب الريان، كل ذلك يدل على أن الصوم له مكانة رفيعة عند الله، وفي الصوم انكسار للقلوب وعند انكسار القلوب يوجد الله حيث سأل أحد الصالحين أين أجد الله؟ فقيل له عند المنكسرة قلوبهم وعندها يرتقي المؤمن درجة أعلى من الإيمان ليلتحق بدرجة الربانيين، فيصبح ربانياً، والمسلمون في رمضان يسعون ابتغاء وجه الله الكريم، والإسراع لفعل الطاعات، واجتناب النواهي، حيث تعمر المساجد بالمصلين، وتزداد تلاوة القران ويستبق الجميع الخيرات، والتحلي بالصبر وكريم الفضائل، ويقول العلماء: إن شهر رمضان من الأشهر التي تجعل للأمة ذاتيتها، وتكون لها هويتها باعتباره بعداً أساسياً من الأبعاد التي تحقق العبادة لله رب العالمين، فالصوم هدفه إصلاح الفرد وتكوين المجتمع وتوحيد الأمة.

وقد ارتبط شهر رمضان المبارك لدى المصريين، بالعديد من المظاهر والتقاليد، التي تأصلت منذ الفتح الإسلامي لمصر عام 640 م، بقيادة الفاتح عمرو بن العاص، الذي أسس العاصمة الإسلامية الأولى في مصر وإفريقيا، وهي الفسطاط، حيث أقام المسجد الذي يحمل اسمه عام 642 م ليتسابق إلى الصلاة فيه مئات المسلمين من المصريين، ومنذ هذا التاريخ توطدت الصلة بين المصريين والإسلام، واهتموا بإقامة الفروض والعبادات والشعائر الدينية الخاصة بشهر الصوم والأعياد والمناسبات، وكانوا يعلنون دائماً عن بهجتهم وفرحهم، وقلوبهم المفعمة بالحب الإلهي، والتحلي بأخلاق الدين الحنيف.

عادات وتقاليد

ومن هنا توارثت الأجيال العادات والتقاليد الحميدة، واجتنب الكثيرون المعاصي والآثام، وسادت روح التعاون والألفة بين سائر المصريين، والتي تتجلى على نحو أخّاذ، خلال أيام وليالي الشهر الفضيل، ومنها استقبال هلال رمضان، والخروج إلى الشوارع ليهنئ المسلمون بعضهم بعضاً، وتعليق الزينات والأنوار، والنزول إلى الأسوق لشراء مستلزماتهم من الأطعمة والمأكولات.

ومهما كانت الحالة المناخية برداً أو اشتداداً في درجات الحرارة، فإن المصريين حريصون تماماً على التحلي بالصبر والأخلاق الحسنة أثناء النهار، لذلك يمشي الصائمون وعلى وجوههم الابتسامة والرضا والقناعة بحكمة الصوم ومغزاه.

وحين يشعر الصائم أنه على وشك الانفعال، يسارع بترديد “اللهم إني صائم”، ويعود إلى رباطة جأشه، وكأن شيئاً لم يكن، حتى لا يضيع صيامه في لجة الانفعال والغضب، وكثيراً ما نجد بعض المشاجرات التي تحدث بين الناس في الشارع، خاصة في فترة ذروة الزحام وضجيج العربات، ولكن أهل الخير يسارعون دائماً بالتدخل، وفض الاشتباك القائم، وتنتهي المشاجرة وكأن شيئا لم يكن، لتعود الابتسامات لترتسم فوق الوجوه المضيئة.

القرآن الكريم

ومن الأشياء المحببة إلى نفوس الصائمين، الاستماع إلى آيات القرآن الحكيم، والمواظبة على الصلوات الخمس وصلاة القيام، وعلى “موائد الرحمن” نجد وحدة الأمة، والتماسك والترابط الاجتماعي، فالقادرون يتسابقون للبر بالفقراء فنجدهم يشاركون الفقراء الإفطار على مائدة واحدة، كما يحلو التزاور بين الأهل والأقارب، مما يوثّق على المحبة بينهم، ونرى البعض يقطع المسافات الطويلة من أجل زيارة أقاربهم صلة لأرحامهم، وتقرباً إلى الله تعالى بعمل صالح في الشهر الفضيل.. ومن العادات التي تتكرر كل عام، إقامة السرادقات الدينية في الأحياء الشعبية التي تعم القاهرة حيث يتوافد الآلاف إلى الاستماع إلى كبار الشيوخ و العلماء، وهم يهبون علمهم إلى وجه الله تعالى، ويبصرون الناس بحكمة الصوم ومغزاه، ويجيبون على جميع الأسئلة بشأن أركان العبادة والفرائض وغيرها من الأسئلة التي تخص حياة الناس العامة.

ويبادر الصائمون بالتصدي للعادات السيئة، كأن يشاهدوا مفطراً في الطريق أو أحد الخارجين عن الآداب العامة، فيسارعوا إلى التنبيه بخطأ ما يفعله، فيتوارى منهم خجلاً، ولذلك قلما نجد أحداً أثناء النهار أو الليل يأتي بأفعال خارجة أو يتفوّه بألفاظ غريبة. وحتى هؤلاء الذين يباح لهم الإفطار، كالمرضى أو أصحاب المهن الشاقة، لا يجهرون بإفطارهم بل يحدث أن يتغلب هؤلاء على ضعفهم، ويصومون شهر رمضان، ليذوقوا حلاوة الصوم وشهده عملاً بقول الله تعالى: “فمن شهد منكم الشهر فليصمه”.

ويكفي أن أصحاب المقاهي والمطاعم لا يفتحون أبوابهم، إلا قبل دقائق من انطلاق مدفع الإفطار، باستثناء بعض المحال السياحية المخصصة للأجانب فقط، وقلما تجد مصرياً يجهر بإفطاره، فضلاً عن حرمانية هذا الفعل فهناك الخجل والتواري الذي يدفع هؤلاء إلى أن يبتعدوا بذنوبهم، عن القلوب العامرة بالإيمان، فلا يجد هؤلاء المفطرين فرصة، ويرتدون عن فعل ذلك ويعودون إلى الله تعالى طلباً لرحمته وغفرانه.

فرائض وتقوى

كما يقوم الصائمون بأداء فريضة الزكاة والصدقة والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، حيث نجد المساجد عامرة بالمعتكفين، تفرغاً لعبادة الله تعالى، وطلب المزيد من مثوبته، فالاعتكاف سنة طوال العام، وسُنة مؤكدة في شهر رمضان، أما ليلة القدر فهي من الليالي المباركات، دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى التماسها في الليالي المفردة من العشر الأواخر من رمضان، والتي يغلب أن تكون الليلة السابعة والعشرين من هذا الشهر، وفيها يتحدث إلى الناس كبار العلماء والمشايخ، ليبصروا الناس بليلة خير من ألف شهر، كما ورد في آيات للقرآن الكريم، وينتهي رمضان برؤية هلال العيد، وقد امتلأت النفوس بالانتصار على الشهوات والغرائز، وقد كتبت لهم الحسنات، فيهللون بقدوم عيد الفطر المبارك، وهم يستغفرون الله تعالى ويتوبون له، طامعين في رحمته التي وسعت كل شيء.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث