دراسة جديدة عن شعر محمد الفيتوري

دراسة جديدة عن شعر محمد الفيتوري
المصدر: القاهرة – من هند عبد الحليم

صدر حديثاً كتاب “شعر الفيتوري .. الرؤية والتشكيل” عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، للدكتور عايدي علي جمعة أستاذ الدراسات الأدبية بكلية دار العلوم، ويعد محمد الفيتوري من أهم الشعراء العرب في العصر الحديث من نواح عدة؛ منها غزارة الإنتاج وتعدد الرؤى الفنية والتجديد الشكلي والإيقاعي، حيث ارتبط شعره بإفريقيا وقضاياها من أجل الحرية والاستقلال، كما وارتبط بالواقع العربي وهمومه.

ويتناول الكتاب محورين، الأول: الرؤية التي تتناول تجربة التصوف في شعر الفيتوري حيث يتخذ من حركات المتصوفين ورقصاتهم وسيلة للاستبصارالروحي الذي تتعانق فيه روحه مع الذات الإلهية، كما جعل الذات الإلهية معشوقة له على الطريقة المتصوفة: ويخضر اسمك في شفتي/ كالنقش الفرعوني/ على قبر منسي.

وأخذت ظاهرتا الحزن والاغتراب مساحة كبيرة من شعره ونتج عنهما نزعة التأمل في الكون والحياة: دنيا لا يملكها من يملكها/ أغنى أهليها سادتها الفقراء.

والتزم الشاعر بقضايا إفريقيا لتظهر قضية “الزنوجة” واضحة في شعره منذ البداية: إفريقيا/ إفريقيا استيقظي/ استيقظي من حلمك الأسود/ قد طالما نمت ألم تسأمي؟/ ألم تملي قدم السيد؟

واهتم الفيتوري في مرحلة لاحقة بعد البدايات بقضايا الواقع العربي، حيث انتقد الحكام المستبدين الذين كانوا سبباً في هزيمة يونيو 1967، فكتب قصيدة “سقوط دبشليم” التي عرى من خلالها الفساد والتفسخ لدى الطبقة الحاكمة، لكنه أشاد بالزعماء المخلصين فكتب مخاطباً “بن بيلا” ورفاقه الذين كانوا لهيب الثورة الجزائرية: سبع سنين وأياديكم تطرق باب التاريخ/ تبني هرماً للحرية/ تبنيه بعظام الشهداء/ بإرادة مليون ضحية.

وكان للمرأة حضور قوي في شعر الفيتوري فهناك المرأة المحبوبة؛ فالحب عند الفيتوري أشواق نفس تعاني من الحرمان، وعلى الرغم من انتصاراتها في عالم الجسد، لكن ذلك لا يروي غلتها، لأنها تحتاج إلى قرين تألفه ويألفها، فهو يشعر بالظمأ القاتل للحب: بي ظمأ .. بي ظمأ قاتل/ فأين ينبوعك يا ساقي؟

وهناك المرأة المناضلة المناوئة للاستعمار؛ ففي قصيدته “رسالة إلى جميلة” التي تحولت إلى رمز الكفاح الوطني، لا يستنكف الفيتوري أن يطلب منها أن تهبه قوة الوجود من روحها.

أما المحور الثاني فيسلط الضوء على التشكيل واللغة في شعرالفيتوري، فقد وظف الفيتوري القيم الإيحائية والصوتية ليفرغ المدخر في الألفاظ، ويجعلها تشع بإيحاءات لا حدود لها: أصبح الصبح .. أنا خلفك يا صبح الحصاد/ ألف صبح قد نسجناه بأضواء العيون/ أيها القادم محمولاً على سمر الأيادي.

كما أن علاقة الفيتوري بالتراث قوية، حيث وجد رهن تصرفه تراثاً شديد الغنى متنوع المصادر، فأخذ يمتاح من ينابيعه السخية، فيقول مخاطباً جمال عبد الناصر: وكأنك تقاتل تحت لواء محمد/ في مجد الإسلام/ وليلة أن سقطت خيبر/ قبلت جبين علي مبتسماً.

ويكتب الفيتوري الشعر العمودي ويجيد فيه، إضافة إلى استيعابه القضايا العصرية حيث لا يقنع بالدوران في الفلك القديم، وينوع في بحوره، إذ يستخدم البحور ذوات التفعيلة الواحدة والبحور المركبة، ولا يكاد يخطيء فيهما.

يذكر أن الفيتوري ولد في بلدة “الجنينة” عاصمة جنوب دارفورغرب السودان عام 1930 لأب من رجال التصوف، ثم هاجرت اسرته إلى الإسكندرية حيث نشأ وترعرع.

وأصدر الفيتوري ديوانه الأول “أغاني إفريقيا” عام 1955 وكان ما يزال طالباً بكلية دار العلوم بالقاهرة، لكنه لم يصبرعلى الدراسة فتركها وعمل بالصحافة في جريدة الجمهورية، ثم عاد إلى السودان واشتغل بالعمل الصحفي، لينتقل إلى لبنان ويعمل بالصحافة مجدداً، وسافرلاحقاً إلى ليبيا وحصل على جنسيتها وتولى عدة مناصب دبلوماسية هناك.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث