مسرحية الهلالي.. الثأر والحزن والهزيمة

مسرحية الهلالي.. الثأر والحزن والهزيمة
المصدر: القاهرة- من ماجد محفوظ

حياة الصعيد المصري ورثت أسطورة الثأر الأقدم في العالم “انتصار حورس” وهي الأسطورة المعروفة بإيزيس وأوزوريس. كما ورث سيرة الثأر الكبرى في ملحمة ” السيرة الهلالية”.

مسرحية “الهلالي” للكاتب بكري عبد الحميد – التي صدرت أخيرا-من المسرحيات التي جاءت متلائمة مع بيئة كاتبها، تلك البيئة التي احتضنت الأسطورة والسيرة حتى أصبحت تشير إلى تقييم الإنسان بمقارنته بإحدى شخصيات الأسطورة أو السيرة، وبالتالي أصبحت تصرفات الشخصية ذات الأصول الجنوبية ترى مكارم الأخلاق في هذه النماذج البشرية، كما ترى عكسها.

في هذه المسرحية -الرجل يكون الزناتي خليفة ومرعي كما كان حورس- والمرأة تكون الجازية وخضرة الشريفة وسعدى وإيزيس.

ترك التراث الشعبي مخزوناً ضخماً في حياة المصريين وكان له أعظم الأثر في الجنوب، ويفسر هذا ما عليه أهل الجنوب من التمسك بعادات وتقاليد وأعراف، ربما لا يبحثون عن مصدرها إلا شفاهة.

يقول د. مدحت الجيار في مقدمته للمسرحية : إن الموروث المزدوج عمق في نفس الإنسان الجنوبي حس وعادة الثأر التي لا تزال وتؤرق الحياة حتى يعيد ما استلب منه أو يقيم القصاص. نعم لقد أثمرت هذه العادة ثمرات التحرير والاقتصاص من جنود الأعداء، وإعادة الحياة مرة أخرى إلى طبيعتها، أثمرت تجاه الغريب المعتدي، في كفاح الشعب المصري ضد الاستعمار الذي لم يترك مصر عدة آلاف من السنين. لكنها تظل أداة ردع لمن ينتهك الحرمات.

وبذلك ورث الشعب المصري مشاعر الحزن على من مات ظلماً مثل أوزوريس أو كليب، أو مات وهو يدافع عن أرضه المصرية ضد الغريب والمغتصب. وورث من خلال هذا التراث آلاف النصوص الشعرية والنثرية، التي تثري الكتابة الشعبية والفصيحة حتى الآن، فمن المربع والعدودة والسرد الشعري لتفاصيل الحكايات والسير إلى الأمثال والحكم والمعجم اللغوي.

ومن ثم يتميز كتاب الجنوب بهذه الخصائص في كتاباتهم، وتظهر مكوناتهم في المسرح القائم على هذا التراث أكثر وضوحاً كتب خلال هذه القرون المتعاقبة آلاف العدودات. ويظل الحزن والكلام عن الموت من الأحاديث العادية المتكررة في حياة الصعيد من خلال هذه النصوص. يتوازي هذا الملمح مع احتفال المصريين بالموت احتفالاً متجدداً، بل بطقوس لا تنتهي وبرؤى فنية لا تنتهي.

ومسرحية ” الهلالي” تخرج من التراث نفسه، تحتفي بالمشاعر الحياتية أكثر مما يحتفي بالتاريخ، وكأنه يجيب عن سؤال ماذا يفعل الهلالي اليوم وسط صراعات تتوج كل الموروث المصري والعربي، وماذا يفعل بركات والجازية أمام عقم القبيلة منذ عقود؟ هل تأتي بالمخلص الولد أم تحول سعدى لمقاومة تتحمل عجز الرجال، وتحكم الشر والشؤم في ناس القبيلة وحاضرها ؟ هل تنتظر القبيلة عفو الله عن الخيانة والخسة (دياب) والحسد والحقد (غراب البين) أم تنتظر الإفراج عن مرعي ؟ هل هو الغفران المطلوب من الله فقط ؟. أم تتصرف الهلالية بالضبط كما ينتظر المظلوم عدالة السماء، أو ينتظر طلوع الشمس.

وتتضح حالة الحزن المخزون منذ البداية في المشهد الافتتاحي من المسرحية ليعلن عن الرموز السنوغرافية من اللحظة الأولى، وهي رموز ستستمر حتى مشهد الختام حيث تحمل الرموز دلالات الجفاف والعقم والهزيمة والموت التي تفوح رائحته في كل مكان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث