ما قبل العاصفة

لقد اشتدت الأزمة فعلا فى بلد تفرقت به السبل جراء تصاعد تيار الإسلام السياسي الذى طغى، ويقاوم أبناؤه عمليات طمس هوية من جانب بعض أبنائه ذاتهم، وهي الأمة نفسها التي عرفت على مدار التاريخ بأنها أرض الكنانة وشعبها ملح الأرض التى يصنع الحضارة

ما قبل العاصفة

محمد حبوشة

الأجواء فى مصر الآن تذكر تماما بما حدث قبل ثورة 25 يونيو بأيام قليلة، فالغالبية العظمى من المصريين يعيشون الآن لحظات الانتظار المر، كل يضع يده على قلبه ويدعو المولى عز وجل بأن يكون 30 يونيو هو يوم الخلاص، فلسان حال الشارع يقول أن رأس الدولة الحاكمة هم فئة ظالمة لاتعرف الرحمة، ولا تدرك حركة التاريخ على هذه الأرض التي كثيرا ما لفظت موجات تلو الأخرى من الاستعمارالبغيض.

لقد اشتدت الأزمة فعلا فى بلد تفرقت به السبل جراء تصاعد تيار الإسلام السياسي  الذى طغى، ويقاوم أبناؤه عمليات طمس هوية من جانب بعض أبنائه ذاتهم، وهي الأمة نفسها التي عرفت على مدار التاريخ بأنها أرض الكنانة وشعبها ملح الأرض التى يصنع الحضارة على ضفاف النيل الخالد دون أي نوع من الشطط والتطرف.

ومن فرط سحره وبهاء طلة هذا النهر العظيم فى كل صباح من اقصى جنوب الوادي غلى شماله كان يغنى له محمد عبد الوهاب فى المساء ” مسافر زاده الخيال والسحر والعطر الظلال / ظمأن والكأس في يديه / والحب والفن والجمال”، يا إلهى : كم كنتي جميلة يلابلادى قبل ينعق البوم فى خرابك الحالي، وينذر بجفاف الزرع والدرع خلال سنوات أو أشهر قليلة.

أينما وليت وجهك شطر ميدان فسيح فى قلب القاهرة، فى شارع أو حارة، أو حتى زقاق ضيق لابد أن تلمح مواطن الضيق وعلامات الحيرة والأسى الذي تنتفخ بها الصدور، وتتوه بفعلها العقول، بينما القلوب تكسوها الحسرة والأسى مافات ” حتى فى عهد النظام السابق على قدرمساوئه “، تلك جملة متكررة على لسان العامة فى كل مكان فى مصر حاليا.

أما إذا صادفك حظك العاثر فى أن تقضي يوما أو بعض يوم بين أهلك وزملاء الصبا والشباب فى إحدى قرى مصر فى حنين نحو الجذور، سرعان ما ينتابك شعور بالضيق والرغبة فى العودة إلى صخب القاهرة مهما كانت قسوتها، فلم يعد ينتابك نفس الشعور الطيب بالحنين الجارف نحو الماضي الجميل، هنا بين الحقول والخضرة والوجوه الطيبة التى كنت تلاقيها بعدما اكتست الكآبة وجوه الناس التي كانت يوما راضية النفس.

كانت الناس فى ريف مصر حتى ما قبل ثورة يناير بسنوات قليلة مطمئنة على عيشها الكريم، آمنة على بيتها وعرضها وفلذات أكبادهم الذين تسحقهم الظروف وتعصف بهم الأمراض المستعصية والتى زادت حدتها من “كبد وفشل كلوى وأزمات قلبية مفاجئة” على صخرة  الأزمات الحادة من طعام ومعيشة أصبحت بشق الأنفس.

 كم كان يتمنى الإمام الراحل محمد عبده – عليه رحم الله – فى دعاء جميل له يقول : ” اللهم ارزقني إيمان الفلاح البسيط، الذي يأكل من العشب، وينام على العشب، ويصلى على العشب، ويموت على العشب “.

ترى لو كان هذا العالم العلامة والأزهري النجيب بيننا الآن ماذا كان فاعلا؟، في ظل صعود تيار الإسلام السياسي الذي أكل الأخضر واليابس من أبسط حقوق أبناء هذا البلد الذي يعانى نقصا حادا الآن فى كل وسائل الحياة، رغم مايتشدق به حكامه من آداب وفضائل الحكم بما أنزل الله فى كتابه وسنته.. اللهم إرحمنا.. آمين.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث