ليبيا تنزلق نحو التقسيم

صراع الليبراليين والإسلاميين على السلطة يقوض العملية السياسية

ليبيا تنزلق نحو التقسيم
المصدر: إرم - (خاص) من محمد خالد

تقف ليبيا اليوم على شفا الانقسام إلى جيوب متمردة لكل منها حكومتها وميليشياتها المسلحة ونصيبها من النفط، وسط الفوضى السياسية الناجمة عن صراع الإسلاميين والليبراليين على السلطة، في بلد تحتدم فيه أصلا صراعات أخرى مناطقية وقبلية، بعد ثلاثة أعوام من الإطاحة بنظام معمر القذافي.

وتشير ظاهرة خطف الدبلوماسيين في ليبيا، بوضوح إلى تنامي دور إسلاميين متطرفين شحذوا قواهم على الأرض خلال الفترة الماضية، مستغلين الفراغ الأمني حيث أصبحت الميليشيات أكثر نشاطا وعنفا على نحو متزايد.

وتستخدم الأطراف السياسية المتناحرة سلاح الميليشيات كي تضغط باتجاه اتخاذ قرارات سياسية معينة.

جذور الصراع

يخوض الإسلاميون يمثلهم حزب العدالة والبناء التابع لجماعة الإخوان المسلمين صراعا مريرا على السلطة في مواجهة تحالف القوى الوطنية الذي يضم أحزابا وطنية وليبرالية بقيادة محمود جبريل، ولكلا الطرفين جناحه العسكري فالإسلاميون يتمتعون بدعم ميليشيات “درع ليبيا” وهي واحدة من أقوى الميليشيات في البلاد وينحدر معظم مقاتليها من مدن ساحلية إلى الغرب والشرق من طرابلس، خصوصا الزاوية في الغرب ومصراتة في الشرق.

أما تحالف القوى الوطنية فيحظى بدعم ميليشيا الزنتان وهي الوحيدة في البلاد التي توازي “درع ليبيا” وينحدر معظم مقاتليها من قبائل بدوية من بلدة الزنتان الصحراوية التي تقع على بعد 140 كيلومترا جنوب غربي العاصمة. ويتهم عناصرها الإسلاميين وحلفائهم بالهيمنة على السلطة التنفيذية والتشريعية.

وفي المناطق الصحراوية النائية المنتجة للنفط يسيطر آلاف من أفراد الميليشيا المسلحة التي يتزعمها ابراهيم الجضران على منشآت تنتج نحو 60 في المئة من الثروة النفطية للبلاد ويسعون للاستقلال بإقليم برقة.

واستفاد متشددو الجماعات السلفية الجهادية من هذا الصراع المحتدم وعززوا نفوذهم في الشرق في مدينتي بنغازي ودرنة، كما تتهم عناصر هذه الجماعات بالارتباط بتنظيم القاعدة، وتشير الإحصائيات إلى مقتل حوالي 200 شخص خلال العام الماضي فقط في عمليات خطف وتفجير واغتيالات تستهدف مسؤولي الأمن والرعايا الأجانب على وجه الخصوص.

وفي الجنوب تسعى قبائل فزان لتحويل منطقتها إلى إقليم مستقل، بينما أصبحت المناطق الصحراوية الخارجة عن كل سيطرة، ملاذا آمنا لمسلحي القاعدة يهددون منه بلدان المنطقة وخصوصا الدول التي أيدت فرنسا في هجومها على تنظيم القاعدة في مالي.

وتشعر الدول المجاورة بالقلق من حالة انعدام الاستقرار في الجنوب ذي الكثافة السكانية المنخفضة والواقع على الحدود مع النيجير وتشاد والسودان ومصر.

كما أن عصابات تهريب المهاجرين أيضا تسغتل الحدود الصحراوية النائية لتهريب اللاجئين إلى ليبيا ومنها إلى أوروبا عبر البحر المتوسط ما يمثل صداعا مزمنا للدول الغربية.

تداعيات السيناريو المصري

دفع الوضع الإقليمي وتدخل الجيش في مصر، القوى الإسلامية وفي مقدمتها الإخوان المسلمين للعمل على الحيلولة دون تكرار سيناريو مماثل في ليبيا عبر الارتماء أكثر في أحضان ميليشيا “درع ليبيا” واللجوء للقوة لإحكام السيطرة على السلطة في طرابلس.

ووسعت الجماعة إلى جانب كتلة الوفاء للشهداء الأكثر تشددا من نفوذها في المؤتمر الوطني العام ونجحت في الإطاحة بحكومة علي زيدان الذي لم تغفر له الجماعة زيارة قام بها إلى مصر العام الماضي، والتقى خلالها المشير عبد الفتاح السيسي، الذي يعتبره “الإخوان” عدهم الأول.

وبعد نجاحها أخيرا في إقالة زيدان نشر المجلس العسكري المحلي في طرابلس المحسوب على الإسلاميين بيانا طالب فيه برحيل كل الميليشيات المنتشرة في المواقع الاستراتيجية خصوصا داخل مطار طرابلس الدولي وعلى طريق المطار في إشارة واضحة إلى ميليشيات الزنتان.

ويرى محللون أن الإسلاميين بهذا المسعى يجازفون بخسارة كل شيء، إذا قررت الأطراف المقابلة خوض الصراع على الأرض، بدل الصراع السياسي.

وتعارض القوى الإسلامية المصالحة الاجتماعية والعدالة الانتقالية التي تدعو إليها القوى الليبيرالية.

كما يصر الإسلاميون على قانون العزل السياسي ومجاراة مصراته القوية في رفضها عودة مهجري تاورغاء إلى ديارهم.

ويتهم الإسلاميون من قبل مناوئيهم بإرباك بناء الشرطة والجيش والتعلل بخطر أنصار القذافي، لتعزيز دور الميليشيا الموالية لهم أمنيا وعسكريا في البلاد.

ويرى محللون ودبلوماسيون ونشطاء أن هذه المقاربة حرمت الإسلاميين من التأييد الشعبي في انتخابات يوليو/تموز، كما حرمتهم من رئاسة لجنة صياغة الدستور التي فاز بها الأسبوع الماضي الليبرالي علي الترهوني .

سيناريو التقسيم

ووسط هذا الوضع الأمني المتردي تشير تقارير عديدة إلى ارتفاع مؤشرات الفساد وسرقة المال العام وهدر الثروات، وتعرض إنتاج النفط، المصدر الوحيد للدخل الوطني، للاعتداء.

وينظر مراقبون إلى لجنة صياغة الدستور التي تشكلت أخيرا على أنها المحدد لمستقبل الانتقال السياسي المحفوف بالمخاطر في البلاد، فما لم تنجح في جمع الفرقاء على توافقات حول شكل الدولة المستقبلي، فإن البلاد ربما تنزلق ببطء نحو الإنقسام إلى أقاليم ومدن متناحرة على أسس قبلية وعرقية، فضلا عن مناطق ستخضع في إطار هذا السيناريو بالكامل إلى تنظيمات إسلامية متطرفة تسعى لإقامة إمارات إسلامية تدين بالولاء لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث