سايكس بيكو الجديدة!

تراجع الولايات المتحدة أمام الموقف الروسى إزاء سوريا يؤكد أن تعدد اللاعبين في المنطقة كفيل بإفساد أى مخطط يريد إعادة رسم خرائط المنطقة المهمة .. فهل نحن حقا أمام "سايكس بيكو" جديدة ؟!

سايكس بيكو الجديدة!

بقلم – خالد السرجاني

بعض المحللين ينظرون إلى التطورات التى تشهدها المنطقة العربية حاليا من ثورات لم تكتمل ومحاولات لتسوية الصراع العربى الإسرائيلي، ومهادنة بين القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والتيار الإسلامى وعلى رأسه جماعة الاخوان المسلمين، وتولى هذه الجماعة تهدئة حركة حماس فى مقابل إسرائيل باعتبارها خطة من الغرب لإعادة تشكيل منطقة الشرق الاوسط، وتنفيذ الشرق الأوسط الجديد أو الكبير، وإعادة رسم خرائطها التى تكرست في أعقاب الحرب العالمية الأولى فيما عرف باتفاقية “سايكس بيكو” الشهيرة.

ويربط هؤلاء بين تطورات شتى وتصريحات متعددة، سواء لمسئولين رسميين في الغرب أو لباحثين وخبراء في المعاهد والمؤسسات البحثية الغربية، وأيضا دراسات تخرج عن “مخازن الأفكار” في الدول الغربية .

ويدعم هؤلاء التطورات التى جرت في العراق منذ الاحتلال الأمريكى لها في عام 2003 وما يحدث في سوريا حاليا، خاصة وأنهما الدولتان اللتان حظيتا باهتمام كبير في “سايكس بيكو” القديمة، فضلا بالطبع عن الأردن ولبنان، وباقى دول المشرق العربى .

وأصبح بعضنا يتعامل مع هذه الآراء والأفكار والتصورات باعتبارها قدر محتوم، أو مصير لايمكن الفكاك منه، بغض النظر عن صحتها من عدمه، وعن إمكانات تحقيقيها على الأرض إن كانت موجوده على الورق حقا في كتب أو دراسات أو حتى تقديرات مواقف صدرت عن جهات لها صلة ببعض الحكومات الغربية .

وهذا الطرح يتجاهل عدة معطيات، منها ما يتعلق بالظروف التى أبرمت فيها اتفاقية “سايكس بيكو”، ومنها ما يتعلق بالظرف الراهن داخليا في الدول العربية وإقليميا، وأيضا التوازن الدولى الحالى الذى يختلف جذريا عن التوازن الذى أبرمت فيه الاتفاقية .

فهذا الطرح يتجاهل أن الاتفاقية جرت بعد سقوط الخلافة العثمانية، وكانت الدول الأوربية تقوم بعملية تقسيم للدول التى كانت خاضعة لهذة الخلافة، أما الدول ذاتها فلم يكن فيها أية قوى شرعية سياسية يمكن أن تحبط المؤامرة عليها ، ولم تكن الشعوب في حالة تسمح لها بأن تقوم بعمليات تصدى لها، سواء الشعوب في الدول المستعمرة التى كانت في حالة من الجهل والتبعية، أو شعوب الدول المستعمرة التى أصبحت فيما بعد تشكل الرأى العام الدولى، والتى انتفضت بعد ذلك من أجل وقف حرب كوريا و السويس و فيتنام، و من أجل أن تمنح فرنسا الاستقلال لمستعمراتها، سواء في الجزائر أم في باقى الدول الإفريقية. كذلك كان هناك اتفاق بين كل من الحلفاء على التقيسم في غياب تام لدول المحور المهزومة. والآن هناك قوى أخرى سواء صاعدة مثل “الصين” أو راسخة مثل “روسيا” لن تمرر مثل هذا التصور لأنه يمثل خطرا على مصالحها الوطنية، وعلى استراتيجياتها الكونية.

ويتجاهل هذا التحليل الساذج أن الشعوب في الدول المقرر لها أن تكون هى موضوع الخريطة الجديدة أكثر وعيا بهذة المخطط، ولنا أن نرى ردود الفعل في مصر على تصرفات الإخوان المسلمين التى يمكن أن تكون جزءا من هذا المخطط، مثل مايتردد عن توطين أهل غزة في سيناء، أو مشروع تنمية قناة السويس لنعرف كيف ستتصدى الشعوب لهذة المخططات – إن وجدت – وإذا كانت الولايات المتحدة تعوّل على شعبية التيار الإسلامى، فقد أكدت التطورات أن هذه الشعبية زائفة، وأنهم لايملكون تمرير أية مشروعات لايرضى عنها الشعب، ناهيك بالطبع عن الحالة الثورية في المنطقة حاليا، والتى تؤكد أن الشعوب أصبحت طرفا رئيسيا في أى معادلة، وهو ماينسف أية إمكانية لتمرير أى مخطط ترفضه الشعوب، أو يأتى على حساب مصلحتها.

كذلك فإن تراجع الولايات المتحدة أمام الموقف الروسى إزاء سوريا يؤكد أن تعدد اللاعبين في المنطقة كفيل بإفساد أى مخطط يريد إعادة رسم خرائط المنطقة المهمة .. فهل نحن حقا أمام “سايكس بيكو” جديدة ؟!

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث