مافيات تهدم الأبنية الأثرية المصرية

مافيات تهدم الأبنية الأثرية المصرية
المصدر: القاهرة (خاص) من محمود كامل

“فيلا اجيون” وغيرها من القصور والفلل التاريخية ليست مباني أثرية ولا تخضع لقانون الآثار رقم 117 لعام 83 مما يجعلها صيدها سهلا لسارقى التراث ..ولكن ألم يحن الوقت بعد لمراجعة هذه القائمة الطويلة من المباني ذات القيمه التاريخية, والتى يتربص بها يوميا “البلدوزرات” ما يمكن تسميته بمافيا هدم التراث العمرانى ورغم انقاذ فيلا اجيون من محاولات الهدم بعد أن تهدّم نصفها تقريبا بقرار نزع الملكية الذي أصدره مجلس الوزراء ,إلا أن مدينة الاسكندرية التي تضم مايقرب من 2000 فيلا وقصر من العصر الحديث تتعرض يوميا لفقدان جزء من هذا الإرث الثمين الذى لا يعوض دون أن يكون هناك رادع فعّال من أى جهه.

المباني التراثيه الموجودة تقريبا فى جميع محافظات مصر تخضع لقانون تنظيم هدم المباني والمنشآت غير الآيله للسقوط رقم 144 لعام 2006 ,والذى يسمح بهدم هذه المباني فى عدة حالات منها إلاّ تكون مرتبطة بالتاريخ القومى وهي الثغره التي تستغلها هذه المافيا للتخلص من المبانى التراثية ,وهذه المباي تتبع جهاز التنسيق الحضارى التابع لوزارة الثقافة ,وهى الجهة المنوطة بحمايته ورغم خلط البعض بين المباني المسجلة كآثار وتتبع وزارة الدولة لشؤون الآثار و المباني التراثيه التى من المفترض أن يحميها جهاز التنسيق الحضاري , الا أنه مازالت هناك تساؤلات حول الجهة التى لديها سلطة حقيقية ومفعله فى صد أى انتهاكات تتعرض لها المباني التراثية واذا ما كان بالإمكان إدراج هذه المباني أو ما يستحق منها فى عداد الآثار التى يحميها قانون الآثار الاكثر حزما!

أنقذوا الاسكندرية

تقول يمنى برج أحد أعضاء مبادرة “أنقذوا الاسكندريه” وهى حملة معنيه بانقاذ التراث العمراني بالإسكندرية من مافيا الهدم ،وأول من بادر بالاستغاثه لانقاذ “اجيون” من الهدم ، أنه طبقا لمجلد الحصر الذى أصدرته لجنة الحصر بالمحافظة فى عام 2007 فان الاسكندرية تضم 1135 مبنى تراثى ،وهذا العدد فى تناقص مستمر بسبب الاهمال المتعمد أحيانا لمثل هذه المباني ومحاولات هدمها او تخريبها لبناء ابراج سكنية جديدة تمثل استثمارا أفضل لاصحابها.

وتضيف يمنى ان الكثير من مالكى المباني التراثية يقومون برفع دعاوى لاخراج عقاراتهم من مجلدات الحصر حتى يتمكنوا من هدمها ,وينجحون فى ذلك بسبب ثغره في القانون 144 لعام 2006 والذى تتناقض الماده الثانيه فيه مع لائحته التنفيذيه التى تعطى شرحا مفصلا عن الحالات التى لا يمكن فيها هدم المباني التراثيه ،بينما لا يوضحها القانون نفسه ،مما يضطر القاضي إلى أن يأخذ بالقانون ويحكم فى حالات كثيرة لصالح مالكى العقارات بالهدم.

وتؤكد يمنى أن مبادرة “أنقذوا الاسكندريه” طرحت عدة حلول عاجله لتفادى مثل هذه الأزمات فى محاولة لانقاذ المباني التراثية قبل ان تتعرض للهدم مثل “اجيون” ،وذلك لحين انتخاب مجلس شعب جديد ومناقشة القانون 144 وتعديله بما يضمن الحفاظ على هذا التراث الثمين ومن هذه المقترحات إعادة إستخدام تلك المباني واستغلالها مرة اخرى من خلال مستثمرين ،او تسهيل إستخدامها من قبل أصحابها فى مشاريع تضمن لهم ربح مادى كتعويض مقابل إعفاء من الضريبه أو إعطاء الملاك أى امتيازات تشجعهم على الحفاظ على المبنى التراثى مثل تحمل تكلفة ترميمه وإعادة استغلاله فى أى مشروع إستثمارى ،وكذلك يمكن ان تقوم الدوله باعطائهم تعويضات عينيه بقطع ارض بديلة فى مناطق اخرى.

وتضيف يمنى أن المبادرة أعلنت عن عدد من المطالب العاجلة لانقاذ ما تبقى من تراث الاسكندرية أهمها المطالبة من السلطات التنفيذية بتوفير حماية للمباني بايقاف تراخيص البناء لمدة 6 اشهر فى المناطق التى يكثر فيها البناء المخالف فوق المباني التراثية ، وهى من سلطات المحافظ طبقا للقانون 119 لعام 2008 لتعطيل أى محاولات لهدم المباني ،بالإضافه الى تفعيل دور جهاز التنسيق الحضاري وبالنسبه للخطة الأجله فإن المبادره اعلنت عن ضرورة وضع الدوله لإستراتيجيه لإدارة ملف التراث العمرانى تتعاون فيها جميع اجهزة الدوله للحفاظ على هذا الكنز.

ثغرة قانونية

يقول الفنان سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضاري السابق أن أزمة المباني التراثية بشكل عام هى عيوب فى القانون 144 لعام 2006 ,حيث ان القانون الذى حضر تصويته بنفسه فى مجلس الشعب ،وكان يرأسه وقتها فتحى سرور ,خرجت الماده الثانيه فيه بشكل مختلف عن الصياغه التى تمت الموافقه عليها فى المجلس ,وتم حذف كلمة “أو” منه والتى تربط الشروط ببعضها وينص القانون على:” يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمباني والمنشآت ذات الطراز المعماري المتميز المرتبطة بالتاريخ القومي أو بشخصية تاريخية أو التي تمثل حقبة تاريخية أو التي تعتبر مزارًا سياحيًا، وذلك مع عدم الإخلال بما يستحق قانونًا من تعويض”..اضافه إلى الأنانيه والجشع وتدنى الوعي الثقافي والحس الوطني لدى من يستهدفون هذا التراث العظيم.

ويضيف غريب إن هذه الثغرة البسيطة هى ما سبب أزمة فى تطبيق القانون فأصبح مالك العقار يلجأ للقضاء الاداري مستغلا هذه الثغرة ليحصل على حكم بالهدم رغم انف الجهاز الذى يرفض طلبه مسبقا..ويؤكد غريب أنه شكل لجنه منذ أكثر من عام قامت بمراجعة القانون وإعادة صياغته ولكن الفوضى التى أعقبت ثورة يناير وحل مجلس الشعب أحالت دون تعديله,ومن وقتها لم يترك سبيلا لمحاولة انقاذ المباني التراثيه التى ييبح القانون هدمها.

ويؤكد غريب ان فيلا اجيون رغم أهميتها ألا أنها ليست الوحيدة التى تتعرض للخطر فالقاهره فيها 3000 فيلا مهدده ,وقصر زينب الوكيل الاثري الذى أعتقل فيه محمد نجيب اول رئيس مصرى تم هدمه تحت اعين جميع المسؤلين..ويقول غريب إنه يجب أن يصدر قرار جمهورى من الرئيس بتعديل القانون لحماية هذه المباني من الانقراض وهو ما طالب به اكثر من مره.

ويقول غريب ان وزارة الآثار يجب ان يكون لها دور فى حماية العديد من المباني التراثية التى يتعدى تاريخ بنائها المائة عام وتستحق التسجيل فى عداد الآثار,لأن القانون الذى يحمى الآثار أكثر ردعا لمثل هذه الانتهاكات ،كما أن الاعتراف بها كآثار قد يرفع من قيمتها المعنويه لدى الناس إلا أن كل الطلبات التى يرسلها للآثار بضم المباني التراثية تقابل بالتجاهل فى ظل تخاذل واضح من وزارة الآثار ,وآخرها مقترح بعدة أماكن تصلح للتسجيل أرسله الجهاز منذ فترة قصيرة لوزير الآثار دون الحصول على أى رد منه حتى وقت مغادرته الجهاز.

ويقول د.مختار الكسبانى أستاذ الآثار الإسلامية والخبير الأثري أنه طبقا للقانون والدستور فإن ما يُسجل أثرا هو ما مضى عليه أكثر من 100 عاما ,وليس للآثار أيّ سلطة على المباني التي لم تتجاوز هذه الفترة ويملكها اشخاص,ولهذا السبب تم تاسيس جهاز التنسيق الحضاري للحفاظ على الهوية المصرية من خلال هذه المباني التى تؤرخ مصر فى العصر الحديث من طرز معماريه مختلفه ايطاليه وفرنسيه وهى لها اهميه كبيره على مستوى العالم.

ويضيف الكسبانى أنه يجب تفعيل دور جهاز التنسيق الحضاري لأنه حائط الصد الأول لمثل هذه الانتهاكات ,لأن الاثار لا يمكنها التدخل بحكم القانون لأنها ملكيات خاصه ,ولا ينطبق عليهم ما جرى مع مسرح سيد درويش أو مسرح دمنهور الذى طالب المجلس الاعلى للآثار تسجيلهما كمبان اثرية وكانا ملكا للدولة ، حيث أنه فى حالة الفلل يمكن للجهاز ان ينتزع ملكية هذه الأماكن مع تعويض أصحابها ماديا بما يتفق وسعر سوق العقارات فى وقتها.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث