شاعرات العصر الجاهلي: إبداعٌ منسيِّ

شاعرات العصر الجاهلي:  إبداعٌ منسيِّ
المصدر: القاهرة- (خاص) من حازم عوض

كثيراً ما تبارى الباحثون والكتّاب في إصدار وتأليف كتب تتناول الشعر الجاهلي ونشأته ومضامينه، وذلك لتوفر المصادر والمراجع رغم التضارب واللبس الذي لازال قائماً حول نسبتها وزمانها ومكانها، لأسباب معروفة وواضحة ولا تحتاج إلى كثير من الجدل، فالوسائل كانت شفهية ولكنها استطاعت أن تخرج إلى النور وتم الإعلان عنها، أي “وجدت طريقها للنشر والإعلام”، ولكن في المقابل كان هنالك إهمال متعمد لشعر المرأة في الجاهلية الذي لم يجد طريقه إلى النشر ولو شفاهة، وليس ذلك إلا لسبب واحد يتمثل في القمع الممارس في تلك المجتمعات وسطوة المجتمع الذكوري الذي كانت نظرته للمرأة كعورة وعار للمجتمع.

ولا نكاد نجد في عصور الأدب القديمة دواوين شعرية للنساء كما نجد للرجال إلا نادراً، كما هو الحال مع ديوان الخنساء بنت عمرو السلمية، تلك القضية بتعقيداتها المختلفة يطرحها كتاب “شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام” الذي جمعه وحققه الكاتب اللبناني بشير يمّوت عام 1939، وتولت وكالة الصحافة العربية بالقاهرة إعادة طبعة في نسخة أنيقة حديثة عام 2013.

وهنالك دوافع وأسباب يلخصها الكاتب في أن الشعر العربي النسائي مهضوم الحق مهيض الجناح قديماً وحديثاً، فما تكاد ترى ديواناً لشاعرة أو مجموعة لنابغة، إذ أهمل ذلك الأولون ومضى على آثارهم المتأخرون، والدليل أنك إذا تصفحت مختارات الشعراء كحماسة أبي تمام والبحتري وغيرهما من الأقدمين، أو مختارات البارودي وأمثاله من المتأخرين لا تجد فيها شعراً نسائياً إلا فيما ندر، كأن الدهر حكم على المرأة بالظلم في كل شيء حتى في الأدب والشعر.

ويرجع الكاتب الأسباب إلى، التعمد والإهمال والنسيان فالقدماء لم ينظرو إلى شعر النساء بعين الإعجاب، بسبب ضعف شعر المرأة حفاظاً على حشمتها ووقارها، ومن ثم فمن الممكن أن يكون شعرها كثيراً ولكن ما روي منه قليل ومن ثم لم يصل إلينا منه شيء يذكر.

وعن دوره في الكتاب يقول: “هذه الناحية أحببت أن أقوم بما يجب لها من الاهتمام، فأجمع ما تفرق في كتاب أنشره خدمة للأدب العربي عامة، والنسائي منه خاصة، فبحثت في الكتب والمصادر، وجمعت ما عثرت عليه من الشعر النسائي في هذا الديوان الذي سميته (شاعرات العرب في الجاهلية والإسلام)”.

وعن منهجه في الكتاب يقول: “رتبته على شكل فصلت فيه الشعر الجاهلي عن الشعر الإسلامي، وقدمت فيه من قدم زمانها على من تأخر زمانها في شبه سلسلة تاريخية ينتقل بها القارئ من عصر الجاهلية الأولى إلى عصر البعثة النبوية فجعلت ما قيل فيها آخر الشعر الجاهلي، وبدأت في الشعر الإسلامي بشعر ليلى الأخيلية، لأنها أشعر شاعرات الإسلام وأكثرهن شعراً ثم أتبعتها بشاعرات العصر الأموي في الشرق والأندلس، ثم بشعر العصر العباسي وما يليه خاتماً بشعر تقية الصورية من نساء العصر السادس الهجري، أما شاعرات العصر الأخير فلم أتعرض لهن لأن أكثرهن قد طبع شعرهن إما في ديوان وإما في الصحف والمجلات وهو متداول ومعروف، وإنما قصدت إلى نشر الشعر النسائي المتفرق المجهول، وكذلك لم أنشر للخنساء لأن ديوانها مطبوع”.

وعن عدد القصائد والشاعرات في هذا الكتاب يقول: “وقد يبلغ عدد النساء اللواتي تقرأ شعرهن هنا المئات، ولكن ما وجد لهن من الشعر قليل بالنسبة للعدد، أو هو لا يكاد يوازي شعر شاعر واحد من الشعراء المكثرين، على أن في هذا الشعر النسائي كل أبواب الشعر المعروفة في ذلك الزمن.. المدح والرثاء والهجاء والغزل والحكم والنصيحة وإثارة الحماس والوصف الطبيعي وأحياناً الغزلي، وفيه التحزب السياسي والقومي والجنسي، ومنهن من امتزن بجودة الشعر ومسايرة كبار الشعراء في المتانة وصحة اللغة كليلى الأخيلية وبنت ظريف والفارعة وبنات الخس وأم الضحاك”.

وإن كان تأليف الكتاب يرتد إلى عام 1939 كما هو واضح في المقدمة، فإن إعادة طباعته عام 2013 تدل على قيمته العالية.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث