سقوط الشرعية الأخلاقية

"الممنوع مرغوب".. حكمة يرددها خبراء السوق وعلماء الاقتصاد، فإذا حجبت سلعة أو شحت في الأسواق ازداد الطلب عليها وارتفع سعرها

سقوط الشرعية الأخلاقية

وأصاب الناس الشوق إليها، وتنطبق هذه الحكمة على الأفكار وفي العمل السياسي أكثر، وذلك حالنا مع جماعة الإخوان المسلمين، التي صدر قرار حلها سنة 1954 من مجلس قيادة الثورة، وبعد محاولتهم اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر وهو يلقي خطابا عاما في ميدان المنشية بالإسكندرية، ومازال هذا القرار ساريا إلى اليوم، لكن الرئيس السادات سمح لهم بالعمل ثانية في مصر بعد حرب أكتوبر 1973 ، وكان السادات يهدف إلى أن يقاوم بهم اليساريين والناصريين، وقاموا هم بأداء تلك المهمة له على خير وجه، ثم صار حسني مبارك على نهج السادات مع بعض الإضافات التي تتناسب والمرحلة، فضلا عن شخصيته وأداءه السياسي كرئيس لجمهورية مصر العربية.

السادات سمح لهم بالعمل في الجامعات والمناطق الفقيرة فقط، أي العمل الاجتماعي والخيري، أو ما يسمونه هم “العمل الدعوي”، وأضاف لهم مبارك دخول العمل السياسي في النقابات المهنية وفي مجلس الشعب (البرلمان) منذ سنة 1984 ، لكنهم كانوا يعملون “عرفيا” أي يتواجدون في مجالس النقابات ويدخلون البرلمان في ظل قرار الحل وأنهم جماعة محظورة، وعلى طريقة الممنوع مرغوب اكسبهو ذلك تعاطفا كبيرا، وخلق هالة من الأساطير حول نقائهم ورغبتهم في عمل الخير والبناء، وساد تصور أن الجماعة عصية على الفساد وأن قياداتها أناس “بتوع ربنا”.

في العامين الأخيرين سقطت عن الإخوان المسلمين فكرة الحظر، وتحولت إلى الجماعة المحظوظة، ودخلوا البرلمان وصاروا الأغلبية فيه، ثم آلت مقاليد الدولة إليهم بتولي د. مرسي رئاسة الجمهورية في 30 يونيه (حزيران) الماضي؛ ومن يومها اكتشف العديدين الحقيقة، وسقطت هالة الأساطير عن الجماعة، وتبين أنهم في السياسة والإدارة لا يمتلكون خبرات من سبقهم في الحكم وليس لديهم الإحساس بمعنى الدولة وفكرها، وهكذا أخذت شعبيتهم في التراجع وظهرت كتل كبيرة من الرأي العام ترفضهم وتثور ضدهم؛ ولعل أبلغ دليل على ذلك هو الشعارات التي تكتب على الحوائط فيالقاهرة ومعظم المدن المصرية ضد الجماعة وتندد بممارساتها.

في مدينة نصر ومصر الجديدة بالقاهرة، هناك شعار يملأ الحوائط الآن، يقول “النظافة من الإيمان والنجاسة من الإخوان”، الشق الأول من الشعار مأخوذ عن الحديث النبوي الشريف الذي ربينا عليه صغارا ونربي عليه أبناءنا وهو ضرورة “النظافة” وأن النظافة شعبة من الإيمان، وتشمل نظافة البدن والجسم وكذلك نظافة الضمير والفعل، أما أن يردف المصريون أو قطاعا كبيرا منهم إلى ذلك الحديث الشق المتعلق بالإخوان، فهذا يعني أن الجماعة بعد أن خرجت إلى العلن وتولت مقاليد الأمور انكشف أمرها وعرف المصريون الحقيقة، ولو أنفق الكتاب والباحثون عشرات السنين يتحدثون عن سلبيات الجماعة وأوجه القصور بها، لما اقتنع ملايين المصريين بما يقولون، التجربة والواقع خير معلم ودليل، ومع كل خطوة نحو أخونة الدولة نجد الإخوان في الشارع ولدى الرأي العام، صحيح أنهم في السلطة ويحكمون، لكن الشرعية الأخلاقية سقطت عنهم ومعها هالة تجرد الجماعة من الأطماع

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث