صلح الحديبية

صلح الحديبية

صلح الحديبية

 

 د. موفق محادين

لم تستغل حادثة سياسية في التاريخ كما استغل صلح الحديبية، الذي وقعه الرسول صلى الله عليه وسلم مع قريش في السنة السادسة للهجرة، ويستغل اليوم من أوساط إسلامية في غزة باسم الهدنة الطويلة .

 

ولم يتعرف العرب على ايديولوجيا الهزيمة والانحطاط كما تعرفوا عليها في توظيف هذا الصلح، واعتباره سندا أو مرجعية  شرعية لقراءة الحاضر في كتاب العدو.

 

ولم يتمتع منظرو الثقافة الصفراء بصرات الذهب كما تمتعوا في لحظات الهزيمة، وهم يقبلون صلح الحديبية بين ايدي العامة كذريعة واقعية وعقلانية لانتاج ثقافة وسيادة ومصالح العدو في وعي الامة.

 

بالمقابل لم يخسر العقلانيون الراديكاليون العرب وقواهم الحية، كما خسروا من تغييب هذا الصلح ودروسه.

 

فصلح الحديبية كان قبل كل ذلك أهم مدرسة في التكتيك السياسي، وتجلي العقل والعقلانية كتنويعة أو مظهر واقعي مشتق من قانون الصراع والحضور في بعده التاريخي الشامل.

 

إن صلح الحديبية الذي لم يكن تعبيرا خاصا معزولا عن القانون التاريخي العام أو مجاورا أو مضادا أو ملحقا هذا القانون، بقدر ما كان التعبير الجدلي الحي عنه لم يؤد إلى انتاج الأمة على مقاس العدو، ولم يدفعها في الوقت نفسه الى الانتحار والعدمية، بل وفر لها في تلك اللحظة التاريخية ما دفعها إلى صدارة الكون.

 

ولم تفقد الأمة هذه الصدارة وتتحول إلى معازل بشرية هامشية، إلا عندما ساد مثقفو الواقعية الانهزامية.

 

وبخلاف الاتفاقيات الموقعة مع العدو في أوسلو ووادي عربة، فان صلح الحديبية الذي يساق من أجل ترويج هذه الاتفاقيات لم يوقع في شروط اوسلو  ووادي عربة، بل ضمن شروط مختلفة تماما.

 

فميزان القوى العسكري كان يميل لصالح المسلمين، والاتفاق نفسه لم يلزمهم إلا بشروط ثانوية وشكلية وقد سمح الصلح لكل من يرغب من القبائل العربية أن تدخل في عقد الطرف الآخر وعهده، ولم يلزم أيا من الطرفين بمعاهدات أمنية مشتركة.

 

كما اشترط على الطرفين عدم الاعتداء على الأفراد والمال والأرض، ولم يلزمها باعادة هيكلة اقتصادهما وفتح اسواقهما ومضاربهما لبني النضير وقينقاع.

 

وكان الصلح فرصة للرسول صلى الله عليه وسلم وجيشه للاجهاز على المعقل اليهودي في خيبر، وليس تسييد اليهود على الأمة.

 

والأهم من ذلك كله أن المسلمين ما إن نقضت قريش عهدها واعتدت على خزاعة، حتى شدوا الرحال إلى مكة، ودخلوها بالسيوف لا بالأضاحي وملابس الاحرام.

 

فلم يعلُ هبل، ولم يذكر الرسول صلى الله عليه وسلم باسم محمد بن عبد الله ولي أصحابه الذي عاهد سهيل بن عمرو ولي قريش بل كرسول الله الذي عاهد ربه، ولم يوال على السمع والطاعة سواه.

 

ولم تدخل القبائل خلسة في عقد محمد بل عنوة  وعلنية وأفواجا في دين الله، ولم ينته الصلح إلى أمة من الكيانات المتكالبة على رضى المكابيين، بل إلى خيل الأمة من سمرقند إلى آخر الماء.

 

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث