ليس باسمنا يُمتدح بشار

ليس باسمنا يُمتدح بشار

ليس باسمنا يُمتدح بشار

 

بقلم عدلي صادق

سأتحاشى في هذه السطور، التعرض لعضو “مركزية” فتح، عباس زكي شخصياً  في محاولة لاستبيان الدوافع التي جعلته يمتدح بشار الأسد، لأن الموضوع الأهم يتعلق بما قاله عباس (وربما نفاه بعد ذلك) في مديح قاتل أطفال سوريا، وقاتل الفلسطينيين، هو وأبوه، تاريخياً!

ليس باسمنا يمتدح عباسُ بشاراً. ولو امتدحه الرئيس محمود عباس ـ وأظنه لن يفعل ـ فلن يمتدحه باسمنا. ذلك لأن الفتحاويين خبروا بطش وقسوة وسفالة هذا النظام، قبل أن يتجرع مرارتها الشيخ الثمانيني الطاعن في السن، النصيري (العلوي) المذهب؛ عالم الاقتصاد د. عارف دليلة، وآخرون كُثر، من صفوة النخبة السورية، بعضهم أمضى في السجون ضعف سنوات حياته طليقاً، لا لشيء سوى أنه وقّع على بيان، أو طالب بالحد الأدنى من الحرية لشعبه. ويعرف الفلسطينيون أن النظام الوراثي الحاكم في سوريا، لم يفعل مع الفلسطينيين سوى ما يلبي رغبته في مداراة عجزه عن تسجيل أية ردود أفعال على تعديات العدو، من خلال الاستحواذ على أوراق كل أنواع المقاومات، الفعلية والورقية، والثوريات الحقيقية واللفظية الكاذبة، ويعلم القاصي والداني، أن خيارات الأحرار الفلسطينيين مع هذا النظام، ظلت إما الموت أو التبعية أو السجن أو الإهانة والملاحقة، ولم يستثنِ الأسديون أحداً ولا فصيلاً من إحدى هذه الخيارات، بمن فيهم الرئيس الشهيد ياسر عرفات، الذي تمسك الأسديون بملاحقته ومجافاته وهو في الحصار وقبل الموت بأيدي أعدائه!

في جميع المفاصل التاريخية، كان الأسد، أباً أو إبناً، في خندق الأمريكيين. هو المسهم الأفعل في حصار العراق، وهو المشارك في الغزو الأول، وهو الذي “لطع” الفلسطينيين الهاربين من الموت في العراق، في الصحراء، سنين طويلة، في معسكرات من أقمشة بالية، وجعل لحمهم نهشاً للذئاب، وجعل النساء يضعن مواليدهن في ظلال النبات البري. وهو الذي انخرط في تقاسم وظيفي للنفوذ في لبنان بتدبير أمريكي: هو في الشمال والوسط وإسرائيل في الجنوب. وهو الذي لم يَسْلَم طرف من أذاه ومن نيرانه، حتى “حزب الله” نفسه، في بدايته، عندما كانت قيادته أقل نيلاً لرضى المرجعيات الإيرانية فأعدم 51 مقاوماً منهم. وهو الذي قتل القائد العسكري الفلسطيني سعد صايل وأطلق أذنابه فيما بعد على طرابلس ومخيمات الشمال، لقتل الزعيم الشهيد ياسر عرفات والقائد خليل الوزير، بل إن تجربة عباس زكي نفسه، كسفير في لبنان، جعلت عودته سالماً، من محاسن المقادير، لأن النظام الأسدي رآه أقرب الى جماعة 14 آذار!

كلما “حكّ الكوز في الجرّة” يقولون إن سوريا منحت الفلسطيني حقوقاً لم يمنحها لهم سواها. هذا صحيح تاريخياً، لكن سوريا ليست هي حافظ الأسد وابنه، بل ـ من المفارقات ـ أن منح الحقوق للفلسطيني، كان لغاية أخرى في عهد حسني الزعيم، الذي تسلم قيادة الجيش السوري في أيلول (سبتمبر) 1948 ثم نفذ انقلاباً عسكرياً، في الثلاثين من آذار (مارس) 1949 اتفق على توقيته وأهدافه، مع مندوب CIA في السفارة الأمريكية في دمشق. وكان حسني الزعيم نصف مخبول، دائم الشراب مخموراً، مغامراً فظاً وعصبياً. فبعد أن نجح في انقلابه، وزج بالرئيس شكري القوتلي (في ولايته الأولى) في السجن، سرعان ما بدأت تتحول اتفاقاته مع الأمريكيين  الى مشروعات على الأرض.

 

غير أن الأمر الأخطر في سعي حسني الزعيم، لتثبيت حكمه، كان توسله المزري، لدافيد بن غوريون بأن يمُن عليه بمقابلة تغيّر مسار التاريخ السياسي للبلاد. لكن الأخير، الذي كان يعرف أن الرجل معتوه ولن يعمّر في الحكم، وليس على مستوى خطوة كهذه، رفض مقابلته، بخاصة وأن “الزعيم” كان يطلب مالاً، تحت عنوان أكلاف توطين الفلسطينيين. وسخر بن غوريون من ذلك المعتوه الذي يريد أن يغترف من المال الإسرائيلي وهو شحيح آنذاك. وعاود حسني الزعيم الكرّة، عارضاً على بن غوريون إنهاء مشكلة نحو 40% من اللاجئين الفلسطينيين، باستيعابهم في سوريا،  كمواطنين سوريين، مقابل ضمانات المساندة المستترة، بالمعلومات والمال والدعم الدولي. وقبل أن يسمع “الزعيم” كلمة إيجابية (لم يسعفه الوقت لسماعها) من دافيد بن غوريون، مضى في خطوات استرضائه، فأصدر مراسيم القوانين “الكريمة” التي يسرت سبل الحياة والاندماج للاجئين الفلسطينيين بجعلهم “في حكم السوريين”.

 

وقد ظلت تلك القوانين سارية بعد انقلاب سامي الحناوي وإعدام حسني الزعيم، لأن أحداً لم يجرؤ على التراجع عنها، وإلا اتهم بمجافاة الشعب الفلسطيني. وتعرضت قوانين حسني الزعيم، لتعديلات استدراكية واجبة، بخاصة بعد عودة شكري القوتلي رئيساً في أيلول (سبتمبر) 1955 بتأطير قانوني لوضع الفلسطينيين كـ “عائدين” مع الحفاظ على امتيازاتهم المقررة. غير أن الذي حدث بعد عقود، هو أن تراجعت التطبيقات، مع بدء حقبة حافظ الأسد، حتى لم يعد هناك فلسطينيون في مواقع تنفيذية مهمة في الدولة، كالمدير العام لمنشأة كبرى، أو لوزارة، مثلما كان المرحوم خالد الفاهوم رئيس المجلس الوطني الفلسطيني الأسبق ـ مثلاً ـ الذي عمل مديراً لإدارة تعليم وملحقاً ثقافياً لسورية لدى الولايات المتحدة!

الحكم الأسدي، أجهز على مزايا الفلسطينيين في الحزب والدولة، وأبقى منها ما يخفي افتضاحه. فالمزايا ليست منه، ولم تبدأ أصلاً لغايات قومية. أما سوريا الوطن والمجتمع، فإنها صاحبة فضل لا ينكره إلا جاحد!

أخيراً أقول لكل من ساءته تصريحات عباس زكي، إن الرجل لم ينطق باسمنا كفتحاويين. ثم إن “فتح” ليست مخيماً كشفياً، ففيها الكثير من الاجتهادات، وبعض هذه الاجتهادات ذات مواوويل لا علاقة لها بالتقييم الموضوعي للأحداث. وتاريخ علاقاتنا بالنظام الأسدي معلوم بكل حيثياته. وبصرف النظر عن وجود متطرفين ركبوا موجة الثورة السورية؛ فإن جوهر النزاع، هو بين انتفاضة شعبية ديموقراطية، عبرت عن نفسها في مئات ميادين المدن السورية، ثم ووجهت بالنيران، وسقط شهداؤها، ثم لوحق مشيّعوهم بنيران أخرى، فسجل الأسد سابقة لم تُعرف في تاريخ النزاعات، وهي قصف الجنائز. ذلك كله، قبل أن يرفع سوري واحد السلاح.

 

ولما هرب من الجيش، الرافضون لقتل شعبهم، واندلع النزاع المسلح، مع نظام مفتضح، يتراجع أمام الإمبريالية لمجرد تهديد، لكنه لا يتراجع أمام شعبه قيد أنملة؛ تشكلت القوى المسلحة الرافضة للنظام والمصممة على إسقاطه تكريساً لإرادة شعبها. أما المتطرفون من أتباع “القاعدة” فليسوا هم الانتفاضة السورية، ولا يمثلون طموحات الشعب السوري. ومردودة على أصحابها محاولات استغلال وجودهم، لتعويم بشار الأسد مرة أخرى. فبشار غارق غارق في دم شعوب سوريا وفلسطين ولبنان، وهو الى مزبلة التاريخ عاجلاً أم آجلاً!

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث