طه حسين الذي نحتاجه

طه حسين الذي نحتاجه

طه حسين الذي نحتاجه

حلمي النمنم

في مصر الآن حالة من الاحتفاء بذكرى الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وكذلك الذكرى الأربعين لحرب أكتوبر العظيمة، وأعرف أن هناك حنين لدى الكثيرين تجاه اسم وتجربة عبد الناصر، فقد عكس الرجل الاعتزاز والكرامة الوطنية والقومية لدى المصريين والعرب وتعكس حرب أكتوبر حالة من نشوة النصر على إسرائيل وما تبعها من إجماع وتوحد عربي نادر في تاريخنا المعاصر؛ حيث وقف العرب جميعا صفا واحدا وسقطت التقسيمات الأيديولوجية بين الأنظمة العربية.

 

وفي ظل هذا الانشغال ألمح صمتا تاما حول ذكرى طه حسين التي تمر نهاية أكتوبر، توفي في 28 أكتوبر 1973 ، ليس صمتا فقط، بل هناك حالة من العداء تجاه طه حسين، وزارة التربية والتعليم تقرر على الطلاب كتابه “الأيام” لكن بعد حذف فقرات منه،تلك التي كان يصف فيها حال شيخ الكتاب في القرية والريف، ففي بعض الآراء داخل وزارة التربية والتعليم أن تلك الأوصاف تعد إساءة لمشايخنا وتراثنا، وسبق للوزارة أن نحت هذا الكتاب تماما للسبب نفسه في عام 2007 .

 

القضية الملحة علينا الآن هي تحقيق العدل الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء، وتحقيق الحريات العامة للمواطنين سياسيا وفكريا واجتماعيا واكتمال الاستقلال الوطني وعدم الانصياع للقوة المهيمنة على العالم، وتلك كانت قضايا وشاغل طه حسين طوال حياته، وعليها قام مشروعه الفكري ونضاله الشخصي، في نهاية عهد الملك فاروق ومع احتدام الأزمة الاجتماعية وتهميش الفقراء وحرمانهم من أبسط الحقوق، كتب مجموعته “المعذبون في الأرض” وكان ان منعت من النشر في مصر ونشرت في بيروت واعتبرها القلم السياسي موجهة ضد الملك فاروق شخصيا واتهموا صاحبها بأنه “شيوعي”، وبسبب ذلك اعترض الديوان الملكي على تعيينه وزيرا للمعارف في يناير سنة 1950 ، لكن النحاس باشا صمم على اختياره، وكان أن تبنى قضية مجانية التعليم ورفع شعار “التعليم حق لكل إنسان كالماء والهواء” وبدأ عمليا سياسة مكافحة الأمية، ومن المفارقات المؤلمة أن دستور مصر سنة 2012 تحدث عن ضرورة تجنب أن يعمل الطفل قبل سن 15 سنة في أعمال ومهن شاقة، أي أن الدستور يقر بأن يعمل الطفل في هذه السن، ويمارس مهنا خفيفة، أي ليس ضروريا أن يذهب إلى المدرسة وينفق وقته في التعليم.

 

ولما وقع العدوان الثلاثي على مصر قام برد الوسام الفرنسي الرفيع الذي كان حصل عليه قبل سنوات من الحرب، فلم يقبل أن وساما من دولة تعتدي على وطنه، ولما قامت الثورة في الجزائر ساندها بالقلم وندد بفظائع الفرنسيين تجاه الجزائريين.

 

نحتاج هذا الوقت أن نتذكر طه حسين، ليس للاحتفال وإقامة مهرجانات حوله بل بأن نرد الاعتبار إلى مشروعه الثقافي والفكري والوطني.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث