عسكر وحب وامرأة حمقاء

عسكر وحب وامرأة حمقاء

عسكر وحب وامرأة حمقاء

يوسف ضمرة

 

عندما ينتهي المرء من رواية “شيطنات الطفلة الخبيثة” للكاتب البيروفي”ماريو بارغاس يوسا” يجد نفسه مضطرا لالتقاط أنفاسه أولاً، ثم يبدأ في طرح الأسئلة: هل توجد امرأة كهذه في الحياة؟ هل يوجد رجل مثل ريكاردو؟ هل ثمة حب “خرافي” إلى هذا الحد؟

 

الطفلة الخبيثة هي فتاة بيروفية فقيرة، لديها من الطموحات والأحلام ما لا يفكر فيه الإنسان العادي أو الطبيعي. ليست هذه الطموحات مستحيلة التحقق، لكنها تبدو غريبة بالقياس إلى نشأة الطفلة، وعدم تمكنها من الحصول على أي مؤهلات تشكل رافعة لهذه الطموحات، باستثناء جمالها المغاير، وتبنيها لعبة التخفي والكذب.

 

على الجانب الآخر يوجد رجل ليس لديه من الطموحات سوى العيش الكريم في أوروبا، لأن واقع الإنسان الأمريكي اللاتيني في الستينات والسبعينات كان واقعا مرتبكا مشتتا لا يسمح بالحياة التي يتطلع إليها شاب مثله، خصوصا أن أمريكا في تلك الحقبة كانت تهيمن على أمريكا الجنوبية سياسيا واقتصاديا وعسكريا، وتعزل رؤساء وحكومات وتعين آخرين على مقاسها.

 

كان على الشباب حينها الاختيار بين طريقين، إما الانخراط في الحركات الثورية التحررية، أو البحث عن خلاص فردي. ولكن ريكاردو تمكن في باريس من الجمع بين الطريقين، حيث أخذ يلعب دورا في تأمين بعض الشباب الثوريين ومساعدتهم وتسهيل إيوائهم في باريس خلال مرورهم أو إقامتهم ذهابا وإيابا إلى كوبا. هل هذا يشير إلى أن الأزمات الاجتماعية والسياسية تشكل حافزا لاستخراج كل ما هو غامض وسري في النفس البشرية؟ ربما..

 

يعيش ريكاردو تجربة حبه في البداية ثم تنتهي كما تنتهي قصص الحب. لكن المرأة لا تلبث أن تعود بعد تجربة خائبة. هكذا تستمر العلاقة بينهما. تتركه لتذهب مع رجل آخر ثري، وتسافر خارج فرنسا في كل تجربة جديدة، ثم تعود منكسرة إلى ريكاردو الذي نجده كلما أمعنت هي في حماقاتها، ازداد حبا لها. وحين تأتيه في المرة الأخيرة نشعر كم كانت تحبه. كانت مصابة بالسرطان وقد شارفت على الموت، لكنها كتبت كل ما جمعته في النهاية لريكاردو الطيب والعاشق الذي لا مثيل له. واختارت الموت بين يديه وهو الذي ذاق على يديها أكبر العذابات وأشدها قسوة.

 

هل توجد امرأة كهذه؟ وهل يوجد حب كهذا؟ لو أن البشرية تفكر في هذا الأمر قليلا فقط، لتخلصت من أسلحة الدمار الشامل والحروب والفتن. مسكين هو الإنسان.

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات:desk (at) eremnews.com
تاريخ النشر
تاريخ التحديث